يُحكى أن وزيرًا خالف أمر ملكه ذات يوم، وكان الملك قد أمر بتربية عشرة كلابٍ شرسة - أجلَّكم الله - في سرداب قصره؛ ليطعمها كل معارضٍ أو مخالفٍ لأمره. جاء الحُكم على الوزير سريعًا، بلا مراجعة، ودون دفاعٍ أو مرافعة، ومن غير قابليةٍ للاستئناف؛ ليكون عبرةً لكل من شأنه التقصير والاستخفاف.
طلب الوزير مهلة عشرة أيام، ذهب خلالها إلى حارس الكلاب، وأشار عليه بأن يرتاح من مهمته خلال هذه الفترة ويُوكِل إليه أمر العناية بالكلاب وتنظيفها وإطعامها، فاستجاب الحارس وانصرف، تاركًا وراءه الوزير الذي أحسن إلى الكلاب كل الإحسان، ولما جاء يوم تنفيذ الحكم حضر الملك وحاشيته، وأُطلِقت الكلابُ على الوزير لتنهش منه اللحم وتكسر العظم، غير أنها افترشت بين يديه، وهي تهزُّ ذيولها وتلعق قدميه، مما أثار استغراب الملك الذي لم يُخْفِ دهشته وهو يسأل الوزير عما رآه، فقال له الوزير: لقد حَفِظَتْ هذه الكلاب وُدَّ خدمتي لها عشرة أيام، ولم تحفظ أنت يا مولاي وُدَّ خدمتي لك عشر سنين.
رابط الحديث هنا أن تلك الكلاب - هي أيضًا - أوفى من أقوامٍ عاشوا على هذه الأرض المباركة عشرات السنين، افترشوا ثراها الطاهر، وتنفسوا هواءها العاطر، وأكلوا من فيض خيرها الغامر، وآخرون مدَّت لهم كفَّ رعايتها في بلدانهم دون الغير؛ فأطعمتهم بفضل الله بعد جوع، وآمنتهم من خوف، وأعْلَتْ شأنهم بعد ذلٍّ وخضوع، حتى إذا ما اكتَنَزَتْ أكتاف هؤلاء وأولائك من اللحم، واكتست بطونهم بالشحم، تنكَّروا للجميل، وحادوا عن سواء السبيل؛ فغذَّوا سهام ألسنتهم بمسموم الكلام، وأطلقوها عبر القنوات والمنصات ووسائل الإعلام، مخاطبين بها كل مَنْ غوى، مِنْ خِفَافِ العقول، وأهل الطَّيش، وأتباع الهوى؛ آملين أن ينالوا من مكانة المملكة الرفيعة، وأن يصنعوا ولو ثغرةً في حصونها المنيعة.
ولئن اجتهد أولئك في أن ينثروا على الجُبَّة الحسناء القذى، أو أن ينالوا من الشَّرف الرفيع بالأذى، فإن الله - جلَّ في علاه - قد أسكن حبَّ هذه الأرض كل فؤاد، وأعلى منزلتها بين العباد؛ فلن يضيرها قُبْحُ قبيح، ولن يُنقِصَ من قدرها وقدسيَّتها كذبٌ وافتراءٌ بُطِّنَ أو ظهر في تصريح، بل ستظلُّ منبع الخير ومنارة الهدى، تمضي في هيبة، ويتساقطُ من حولها عُبَّاد المال، وأذناب الضلال، والجاحدون، والمارقون، وأتباع الهوى.
بقلم/ يوسف الشيخي

إلى أهل الافتراء والمتشدقين بالهُراء
وصلة دائمة لهذا المحتوى : https://www.mnbr.news/articles/458546.html


