كلما استعرضنا أنفسنا أمام مرآة الواقع وجدنا أن شيئًا ما فينا على وشك أن يتعطَّل، أو أنه بالفعل قد تعطَّل، وكلما أمعنا النظر أدركنا حقيقة الخطر؛ فالدَّعةُ تُقدَّمُ لنا على الأطباقٍ المصنَّعة، وبفَيْضٍ من الصَّراحة نحن عُشَّاق راحة، أدمنا ظهور الجديد، وأصبحنا نطلب المزيد، دون أن ندرك أن الاستخدام المفرط للشىء يُعَدُّ مَغْرَمًا، وقد يفضي إلى الندم، حين يصبح الإنسان به متيَّمًا ومُغْرَما. لقد ثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن كل اكتشافٍ وابتكار ينطوي على قتلٍ للمتعة مع سبق الترصُّد والإصرار، لاسيما إذا ما أسيء استخدامه، واستولى على لُبِّ العقلِ مُدَامُه، وإن شئتَ فاصحبني من خلال هذه التساؤلات؛ لأثبتَ لك الكلام، وأُصَفِّيَ حديثي من شوائبِ الأوهام.
هل أصبحت تعاني من الآلام، وارتخت المفاصل وهشَّت العظام وصار يجهدك الوقوف على الأقدام؟ متى حدث ذلك؟ بالطبع يوم تكاسلت عن الحركة حتى في أبسط مشوار، واستبدلت قدميك بوسيلةٍ ذات عجلِ دوَّار.
هل تعاني الشعور بالوحدة وقلة الاندماج؟ ذاك اعتلالٌ أصاب روحك، وأنت تعرف العلاج؛ وسائل التواصل ليست في الحقيقة سوى فواصل، إذ تجلسُ بين الناس بلا إحساس، وربما يناديك من ناداك وأنت لاهٍ بما تحمله يداك؛ جهازك أصبح الرفيق، فما عاد هناك محبوبٌ سواه ولا مؤنِسٌ ولا صديق. وليتنا خرجنا من صحبتها بمنفعة غير ملاحقة أصحاب الصور الملمَّعة، والتي جعلتنا نندب الحظ التعيس ونحن نجري المقارنات أو نقيس.
أتيحت الكتب على المتصفحات؛ فما عدنا نشتهي تقليب الصفحات، واختُرِعت لنا أدوات الحساب؛ فتعطلت عن القيام بدورها الألباب، وما بقي فيها من ثُمالة أظن أنه سيختفي لا محالة، وأغلب الظن أن جهازها المناعي لن يصمد أمام زحف الذكاء الاصطناعي؛ فهو يسعى بخيله ورجْله ليَدُكَّ آخر المعاقل، ويقسم أن كل من يواجهه سيرتدي ثياب باقل (اسم رجل اشتهر بـالغباء والعِي).
أخيرُا، هل سنستفيق بعد غفلة؟ أم نستسيغ السكر والانغماس في الحفلة، وهل يمكن أن نستعيد ما سلب من أدوات ومُقدَّرات؟ أم أن الأوان قد فات.
تنويه: الحديث يتوقف عند حدود من أدمن الإسراف دون أن يرضى بالاعتراف.



