الدرسُ درسُ إملاء، واليوم يوم اعتزازٍ وولاء، واحتفالٍ باللغة العربية، ومكانتها بين اللغات العالميَّة.
دفعتُ الباب، وسلَّمتُ على الطلاب، وبدأتُ الحديث والكلام، بالحمدِ والثناءِ والصلاةِ والسلام، وشمَّرتُ الأكمام، وتناولتُ الأقلام، وكتبتُ على اللوح (استقام)، وتوجَّهتُ إلى طالبٍ نبيه، قائلًا له: يا فِلْذَةَ كَبِدِ أبيه، هل تعرف الفرق بين همزتَي القطع والوصل، أم أوجِّهُ السؤال إلى طالبٍ آخرَ في الفصل؟
نظر إليَّ الطالبُ اللامع، وحكَّ ذَقْنَهُ بأطرافِ الأصابع؛ وكأنه يتهيأ لما يُطرِبُ السامع، ويُشْجي المسامع؛ فخالطَ نفسيَ السرور، وهان في عينيَ الشرحُ وتفصيلُ الأمور، وحمدتُ الله على نعمهِ السابغه؛ إذ يوجدُ بين طلابي نابغة، وبدأتُ أستعدَّ للتعليق والتذييل، تاركًا للطَّالب الشرح والتفصيل. لكنَّ الطالبَ الهُمام طال بِحَيْرَتهِ المقام، وآثر السكوت على الكلام، وبدأ الالتفاتَ يمنةً ويسرة، مستسعفًا بإشارةٍ، أو همسةٍ، أو نظرَة، فأشار إليه زميلٌ بغمزة، تُبيِّنُ له موضع الهمزة، ولم يخفَ عليََّ الأمر، غير أني تحلَّيتُ بالصبر.
تحيَّر المسكين في الجواب؛ فعمَّمتُ السؤالَ على بقيةِ الطلاب، واعدًا بأن يكون المجيبُ موضع الإعجاب. فرفع أحدهم يدهُ قائلًا: يا أستاذ، أوَليسَ في السؤال بعض الاستخفاف؟! قلت: أعوذ بالله أن أصِفَكُم بالضِّعاف؛ إنما هو أحد الأسئلةِ الخِفاف اللِّطاف.
قال: إذًا فأنا أرى همزةَ الوصلِ بعد القاف.
قلت: أصلح الله حالك، لا شكَّ أنني اليوم هالِك. همزة الوصل يا ولدي في الأوَّل، لا تتزحزحُ ولا تتحوَّل.
انتظرتُ، فطال الانتظار، وشاحت عن وجهيَ الأنظار، فقلتُ: يا أبنائي، هذه مسألةٌ لها الأولوية، كيف تخفى على طالبِ الثانويَّة؟! فردَّ من آخر الصف طالبٌ يُكثِرُ الغياب، وإن حضر لم يحمل معه قلمًا ولا كتاب، قال: يا أستاذ، قد كان ما كان، والعِلْمُ عُرضةٌ للنسيان.
قلتُ: قاتلَ الله النسيان؛ كم هو صاحبٌ خوَّان! كيف تقرأ يا ولدي القرآن؟!
قال: أجتهد، وللمجتهد أجران.
قلتُ: ذاك للجاهل الأمي، ليس لطالبِ الثانوي.
زَفَرْتُ ما اجتمع في داخلي من أنفاس، ووضعتُ كلتا يديَّ على الراس، وسألتُ نفسي، أينَ يكمنُ الخلل؟ حتى أعالج الأمرَ على عجل. ومنِ المُتَّهم بالتقصير؟ كي نوجدَ الحلولَ، ونبدأ التغيير.
دقَّقتُ، فوجدتُ الأمرَ شائك، ونحن في دوامةٍ من المسالك؛ معلِّمٌ يرى أنه قد أَنْجَز، وطالبٌ عن الجواب يعجز، وفي كل مرة، يظَلُّ أمامنا نصٌّ مفتوح، ودرسُ جديدُ غيرُ مشروح؛ لأنَّ مُفْرَدَةَ النسيان دائمًا تلوح.
المقالات > المقامة الصفِّية في يوم اللغة العربية, يوسف الشيخي > المقامة الصفِّية في يوم اللغة العربية
بقلم : يوسف الشيخي

المقامة الصفِّية في يوم اللغة العربية
وصلة دائمة لهذا المحتوى : https://www.mnbr.news/articles/372383.html