خلق الله تعالى المخلوقات جميعها وهي مزودة بغرائز فطرية تعينها على الاستمرار في الحياة، وتحفظ توازنها في هذا الكون. فالغريزة هي ذلك الدافع الداخلي الذي يقود الكائن الحي إلى القيام بسلوكيات ضرورية دون تعليم أو تدريب، كغريزة البحث عن الغذاء، أو الهروب من الخطر، أو حماية الصغار. ولولا هذه الغرائز لما استطاعت المخلوقات أن تحافظ على وجودها أو تتكيف مع بيئاتها المختلفة.
والإنسان، بوصفه أكرم المخلوقات وأعلاها عقلًا، لم يُستثنَ من هذه السنّة الكونية؛ بل أُودعت فيه غرائز متعددة تساعده على البقاء والاستقرار. فغريزة حبّ البقاء تدفعه لتجنب الأخطار، وغريزة التملك تحثّه على العمل والسعي، وغريزة الأبوة والأمومة تجعله يعتني بأبنائه ويحفظ نسلَه، وغريزة الانتماء تجعله يبحث عن الأمان داخل الأسرة والمجتمع.
غير أن ما يميّز الإنسان عن غيره من المخلوقات هو اقتران الغريزة بالعقل والشرع. فبينما تنقاد الحيوانات لغرائزها بلا وعي أو ضبط، مُنح الإنسان القدرة على التفكير والتمييز، ووُجهت غرائزه بمنظومة أخلاقية وقيمية تضبطها وتمنع انحرافها. فالغرائز في أصلها ليست شرًّا، وإنما تتحول إلى سلوك محمود أو مذموم بحسب طريقة توجيهها واستعمالها.
إن ضبط الغرائز وتوجيهها الوجهة الصحيحة هو أساس التوازن النفسي والاجتماعي للإنسان. فعندما تُشبَع الغرائز باعتدال، ينعم الفرد بالاستقرار والطمأنينة، ويسهم في بناء مجتمع متماسك تسوده القيم والفضائل. أما حين تُترك بلا ضابط، فإنها قد تقود إلى الفوضى والصراع واضطراب العلاقات الإنسانية.
الغرائز نعمة إلهية عظيمة، بها تستمر الحياة، ويستقيم التوازن بين متطلبات الجسد وروح العقل. والإنسان الواعي هو من يدرك غرائزه، فيُحسن إدارتها، ويوجهها نحو الخير والبناء، فيحقق بذلك إنسانيته الحقة التي أرادها الله له خليفة في الأرض .



