كنت صغيرًا وأنا أرى والدي وأعمامي، ومعهم العم مسفر بن صالح ـ رحمه الله ـ والعم زين بن سمحان ـ رحمه الله ـ، وآخرون، وهم يتحلقون تحت شجرة قريبة من البئر التي أسهموا في حفرها عند مزرعتنا، ولا تزال شاهدة على بياض القلوب، وقوة الأمل، ومآثر الرجال، كان لضحكاتهم صدى في الوادي والجبل، كان أغلب أهالي القرية يفعلون مثلي؛ يأتون إلى هذا المكان للاستمتاع بروح العم مسفر ومقالب العم زين وبساطة الجلسة ومن فيها.
عادت بي الذاكرة إلى تلك الذكريات، وقد فقدنا قبل أيام العم مسفر بن صالح ـ رحمه الله ـ، الذي ترك خلفه مشاهد لا تُنسى ومآثر لا تُحصى، ومنها وأهمها الأبناء التسعة، وهم اليوم كواكب في صدر السماء، يخدمون الوطن بإخلاص ويتمثلون أعلى درجات القيم والأخلاق التي تشربوها من والدهم -رحمه الله-.
وقد قرأت للدكتور سعيد بن محمد القرني، أستاذ اللغة العربية بجامعة أم القرى، كشاهد عيان وهو يصف الفقيد بالأب الروحي لمدرسة الشعف، طلابها ومعلميها.
وعرفت أن العم مسفر دعم أبناء قريته بصدق، وآمن أن المسؤولية ليست منصبًا بل موقف، وأن الرجولة ليست قولًا بل فعل، فكان لهم أبًا حانيًا، وناصحًا أمينًا، وموجهًا مشجعًا، يغرس في نفوسهم الثقة، ويزرع فيهم الطموح، ويذكرهم دائمًا بأن الأخلاق هي الإرث الحقيقي.
وفي المجتمع كان صالحًا مصلحًا له قدره وتقديره. أكد على ذلك ما قرأته لكثير من المغردين وهم يردون على تغريدة ابنه الأخ والصديق العلم عايض بن مسفر، ينعي والده وهم يعزون عايض وأسرته، ويصفون الفقيد بما هو أهله من الكرم والوفاء وصفاء النفس ومحبة الخير لأهله ومجتمعه، ويشيدون بتربيته لأبنائه حتى استوى غرسه ورأى بعينه ثماره؛ قامات شامخة تبعث الفخر والاعتزاز، ليس لوالدهم وحده بل لكل من عرفهم أو سمع بهم.
يقول والدي عن العم مسفر، وقد عاشره: لقد كان ـ رحمه الله ـ صاحب حضور يبعث في المجلس الطيبة والابتسامة، ويجيد صناعة المواقف التي تؤكد على سريرته الطيبة ومحبته لأصدقائه ومحبتهم وتقديرهم له. ومع ذلك كان يمتاز بالقوة في المواقف والثقة الكبيرة في النفس، والتي جعلته صاحب مكانة خاصة بين الجميع.
رحم الله العم مسفر، الذي غادر دار الفناء جسدًا وبقي معنا بمآثره وأثره، وإن مات فلم ينقطع عمله، وخلفه من يدعو له بالرحمة والمغفرة وجنات النعيم.


