مدخل … ما دعاني لكتابة هذا المقال، وما جادت به القريحة من حروفٍ ومشاعر، هو ما تابعته بكل فخر واعتزاز من خلال ما شهدته محافظة العرضيات في تهامة الكرم، وتهامة الجود، وتهامة العز، من فعالياتٍ ولقاءاتٍ وزياراتٍ ودعواتٍ ومناسباتٍ جسّدت أسمى معاني التلاحم، وصدق الانتماء، وكرم الضيافة، وعمق الأصالة.
ورغم أن ارتباطاتٍ مسبقة حالت دون تشرفي بالمشاركة والحضور، إلا أن القلب كان حاضراً، يتابع المشهد، ويعيش تفاصيله، ويستشعر جماله، فانبثقت هذه الكلمات تعبيراً عن فخرٍ بمكانٍ عزيز، وأهله الأوفياء، وتاريخٍ يزهو، وحاضرٍ يبشّر بمستقبلٍ مشرق.
حين يطرق الشتاء أبواب تهامة، وتكتسي الأودية حلل الخصب، وتتنفس الجبال دفء الشمس وعبق التاريخ، تشرق محافظة العرضيات بوصفها إحدى أجمل وجهات السياحة الشتوية في وطننا الغالي، وتتحول ربوعها إلى لوحة طبيعية نابضة بالحياة، تجمع بين صفاء المناخ، وكرم الإنسان، وعمق الانتماء، وثراء المكان.
وقد جاء الاجتماع الشتوي لأعضاء مجلس بلقرن في محافظة العرضيات ليجسد هذه الروح الجامعة، حيث التقى رموز بلقرن من السراة وتهامة في كرنفالٍ أخوي جميل، احتفاءً بالمكان والزمان، وتأكيداً لوحدة الجغرافيا والقلوب، في مشهدٍ يعكس تلاحم المجتمع وتاريخه العريق، ويعلي من قيمة التواصل والتكامل بين أبناء المنطقة في أجواءٍ دافئة عامرة بالمحبة والوفاء.
وفي إطار هذا الحراك الاجتماعي والثقافي، تشرف عددٌ من أعضاء المجلس باستضافة معالي الشيخ عبدالله بن مجدوع وصحبه الكرام في عدة مناسبات، كان لها أبلغ الأثر في تعزيز أواصر الأخوّة، وترسيخ تقاليد الكرم والضيافة التي عُرفت بها تهامة وأهلها. كما تفضّل معاليه باستضافة رموز بلقرن وعدد من المشايخ وأصحاب المعالي في منتجعه العامر «مرسى المجد»، حيث امتزج جمال المكان برقيّ اللقاء، وتوحدت القلوب على قيم الأصالة، والتآلف، وحب الوطن.
ويأتي مهرجان العسل السنوي ليكون أيقونةً متجددة للسياحة الشتوية في محافظة العرضيات، وواجهةً مشرقة للاقتصاد المحلي، حيث حظي بتغطية إعلامية متميزة جعلته علامةً بارزة في خارطة السياحة الداخلية، وموسماً ينتظره الزائرون من مختلف مناطق المملكة. وقد أسهم هذا المهرجان في إبراز جودة العسل التهامي، والتعريف بمنتجات النحل، وفتح آفاق واسعة للتسويق والاستثمار، في صورة حضارية تليق بتاريخ المنطقة ومكانتها.
وفي ثنايا هذه الفعاليات، عاش الزائر متعة الأجواء الدافئة، وسحر المناظر الخلابة في الأودية العملاقة ذات الجريان الدائم، وتوشّحت الجبال والسهول بحلةٍ خضراء آسرة، تمتد فيها البساتين، وتتعانق فيها السهول مع السفوح، في مشاهد تفيض بالحياة والطمأنينة، وتستدعي التأمل في بديع صنع الله.
ويكتمل هذا الجمال في ظل ما تنعم به بلادنا من أمنٍ واستقرار وهدوء، بفضل الله ثم بحكمة قيادة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين – حفظهما الله – حيث أصبحت السياحة الداخلية ركيزةً من ركائز التنمية، ومجالًا رحباً للاستثمار، ومتنفساً آمناً للأسرة والمجتمع.
ومن هنا تتجه الأنظار إلى آفاق واعدة لصناعة سياحية متكاملة في محافظة العرضيات، يقودها أصحاب المزارع، ورواد الأعمال، والمستثمرون، من خلال إنشاء فنادق ذات تصنيف أربع نجوم، وتطوير مرافق الإيواء والخدمات، وتوظيف أبناء المنطقة ليكونوا شركاء في التنمية وصنّاعاً لنهضة سياحية مستدامة.
كما تتبلور التطلعات لإطلاق برامج سياحية متنوعة تمتد ليوم، أو يومين، أو ثلاثة أيام، أو أسبوع كامل، بإشراف مرشدين سياحيين من أبناء المنطقة، يُعرّفون الزائر بتاريخها، وأوديتها، وجبالها، وتراثها، ويشمل ذلك زيارة المواقع الأثرية والتاريخية، وتشجيع القائمين عليها، ودعم جهودهم في الحماية والترميم والتعريف، لتكون السياحة الثقافية رافداً أصيلًا ضمن منظومة السياحة الشتوية.
وإلى جانب ذلك، تمثل المنتجات الزراعية الشتوية من الفواكه والخضروات رافداً اقتصاديًا مهماً، وسلةً غذائيةً واعدة يمكن أن تُسهم في تحقيق الاكتفاء الذاتي، وتغذية الأسواق، بما يعزز الأمن الغذائي ويدعم الاقتصاد المحلي.
وفي البعد الإنساني، وحتى تعود القبيلة إلى نسقها الاجتماعي المألوف في تقديم كل ما من شأنه رفعة أبنائها وخدمتهم عبر الأعمال الخيرية، والابتعاد عن التكاليف والمظاهر الاجتماعية المُرهِقة التي يغلب عليها التكلّف الزائد، والتي تُثقل كاهل أبناء المجتمع.
نتطلع أن تُثمر هذه الاجتماعات واللقاءات عن مبادراتٍ مجتمعيةٍ وتنمويةٍ نوعية، يقودها الميسورون ورجال الأعمال ومشايخ القبائل، ومن أبرزها – على سبيل المثال – :
- إنشاء مراكز لغسل الكلى ودعم مرضى الفشل الكلوي.
- تأسيس صندوقٍ صحيٍّ لدعم مرضى السرطان.
- إطلاق مبادرات تشجير الأودية وتنظيفها والمحافظة على البيئة.
- دعم الأسر المنتجة وتمكينها اقتصادياً.
- رعاية الطلاب الموهوبين حتى التخرج.
- إنشاء وقفٍ تعليمي باسم القبيلة، يُعنى بإقامة الدورات التدريبية التي من شأنها صقل مواهب الشباب والموظفين في المجالات اللامنهجية، واستضافة الندوات العلمية والسياحية والثقافية.
- إطلاق مبادرات لتخفيف تكاليف الزواج على الشباب والشابات، عبر تيسير المهور، وتشجيع الأعراس الجماعية.
- ترسيخ ثقافة البساطة بأصالة الماضي ورُقيّ الحاضر وتطلعات المستقبل.
واختم القول بأن محافظة العرضيات، تمضي بثباتٍ وثقة، نحو مستقبلٍ سياحيٍّ وإنسانيٍّ مشرق، يجمع بين جمال الطبيعة، وكرم الإنسان، وعمق التاريخ، ورؤية القيادة، وطموح أبناء المنطقة، لتكون السياحة الشتوية فيها قصة نجاح وطنية، وعنواناً للتنمية الشاملة، وواجهةً مشرقة من واجهات السعودية العظمى في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين – حفظهما الله.



