بين أروقة الحياة المتسارعة يبرز الفراغ كوحشٍ صامت يقتات على زهرة العمر "الشباب" بسبب التشتت الرقمي و انحراف البوصلة عن الهدف .
إن سوء إدارة الوقت في عصرنا الراهن لم يعد مجرد "تأجيل" للمهام، بل استنزافٌ تدريجي لجوهر الوجود الإنساني في قوالب براقة تُسمى "وسائل التواصل"، وهي في حقيقتها عزلة مغلّفة بالضوء.
غواية "الشاشات" وفخ الفراغ المُقَنّع
في الماضي كان الفراغ يعني "اللا شيء" أما اليوم فقد تحوّل الفراغ إلى انشغالٍ زائف.
لقد أصبح "إدمان الشاشات" هو المقبرة الحديثة للوقت حيث يغرق الفرد في فيضٍ من المعلومات والمقاطع التي لا تُسمن ولا تغني من جوع فتمر الساعات وهو يظن أنه "يفعل شيئاً"، بينما هو في الحقيقة يراوح مكانه.
هذا الانغماس الرقمي هو الصورة العصرية لما حذر منه الشاعر قديماً حين قال:
إِنَّ الشَبابَ وَالفَراغَ وَالجِدَه ... مَفسَدَةٌ لِلمَرءِ أَيُّ مَفسَدَه
فإذا اجتمعت طاقة الشباب، مع فراغ الهدف، مع وفرة الوسائل (الجِدَه) كانت النتيجة تشتتاً ذهنياً واغتراباً عن الذات.
إن سوء إدارة الوقت خلقت جيلاً يعاني من "القلق الزمني"؛ فنحن نملك أسرع الوسائل لكننا نملك أقل الأوقات للإنجاز الحقيقي .. لقد حلّت "التريندات" العابرة محل القراءات العميقة و أصبح التواصل الافتراضي يسرق الساعات التي كان أولى بها الترابط الأسري أو البناء المعرفي.
إن الوقت ليس رقماً يمر بل هو رأس مال لا يقبل الاسترداد ، و من يترك زمام يومه لخوارزميات التطبيقات يجد نفسه في مؤخرة الركب
وَالوَقتُ أَنفَسُ ما عُنِيتَ بِحِفظِهِ ... وَأَراهُ أَسهَلَ ما عَلَيكَ يَضيعُ
إن الفراغ ليس عدواً لذاته بل العجز عن توظيفه فالإنسان الذي لا يملك جدولاً لأولوياته يصبح ريشة في مهب رغبات الآخرين وما تمليه عليه التنبيهات المتتالية . إدارة الوقت هي في جوهرها "إدارة للذات" وقدرة على قول "لا" للمشتتات التافهة في سبيل الأهداف العظيمة.
إِذا أَنتَ لَم تَزرَع وَأَبصَرتَ حاصِداً ... نَدِمتَ عَلى التَفريطِ في زَمَنِ البَذرِ
إن استعادة السيطرة على "الشاشة" هي الخطوة الأولى لاستعادة السيطرة على "الحياة" فالعمر أقصر من أن يُهدر في تصفح حيوات الآخرين بينما تنتظر حياتنا الخاصة من يكتب فصول نجاحها .



