إنَّ الوسطية في جوهرها ليست مجرد نقطة باهتة في المنتصف ، أو خياراً عابراً بين خيارين هي "هندسة ربانية" رفيعة تضبط إيقاع الوجود و تصون النفس من صخب الغلو و رياح التفريط إنها القمة التي يتلاقى عندها رُشد العقل بصفاء الروح لتستقيم بها حياة الفرد و يتوازن بها مسار المجتمع .
لقد رسم القرآن الكريم ملامح هذه الأمة بصفتها "أمة الوسط"؛ فلا هي التي أغرقت في الماديات حتى نسيَت روحها و لا هي التي انقطعت في الروحانيات حتى أهملت عمارة الأرض {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ} (البقرة: 143).
و الوسط هنا هو "الخيار العدل"، و هو المنهج الذي يتجلى حتى في أدق تفاصيل السلوك اليومي ففي الإنفاق -على سبيل المثال لا الحصر- لا بخل و لا إسراف {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} (الفرقان: 67).
أن الجود الحقيقي هو الذي يتوسط الإسراف و البخل:
أرى اللُّبَّ أن يُعطى امرؤٌ قَدْرَ مالهِ ... ولا يَستبِيدُ البخلُ بالمرءِ والحِرصُ
ولا خَيرَ في الإسرافِ في غيرِ حقهِ ... كَما لا نَدىً في البخلِ يُرجى لهُ نَقْصُ .."المقنع الكندي"
و في مدرسة النبوة كان الاعتدال هو "القبلة" التي يوجه إليها النبي ﷺ أصحابه فلطالما حذر من التنطع الذي يرهق النفس و يقطع الطريق "هلك المتنطعون" مبيناً أن استدامة الأثر خير من مبالغة الانقطاع .. "إن هذا الدين يُسر ، و لن يشادّ الدين أحد إلا غلبه".
إن السلامة تكمن في تجنب الأطراف الحادة و العظمة تكمن في "نقطة الوسط" التي تجتمع فيها الفضائل ، فالحياة بغير اعتدال كمن يركب دابة صعبة المراس تُلقيه في المهالك ، أو دابة مريضة متهالكة لا تبلغه مقصداً ..
عَلَيْكَ بِأَوْسَاطِ الأُمُورِ فَإِنَّهَا ... نَجَاةٌ وَلَا تَرْكَبْ ذَلُولاً وَلَا صَعْبَا
إن حاجتنا اليوم إلى الوسطية تفوق أي وقت مضى ، فهي ليست مجرد تنظير فكري هي ضرورة مجتمعية تحقق :
* الاتزان النفسي : بحماية الإنسان من صراعات المثالية المفرطة أو الإحباط المدمر .
* السلم الاجتماعي : بنبذ التعصب و الإقصاء بفتح آفاق الحوار و التعايش .
* الاستدامة: لأن "المنبتّ لا أرضاً قطع و لا ظهراً أبقى" ، و الاعتدال هو وقود الاستمرار في العطاء .
الوسطية هي "بوصلة النجاة" في عالم يموج بالمتناقضات تمنحنا القدرة على أن نعيش زماننا متمسكين بإيماننا نبني دنيانا بقلوب متعلقة بآخرتنا فمتى استمسكنا بهذا الميزان استقامت لنا الحياة و غدونا شهوداً على الحق و عماراً للأرض .



