بين لجيجِ الطريق وصخبِ الزحام، انشقَّ سكونُ اللحظة عن فاجعةٍ مروريةٍ مروعة، تبعثرت فيها خيوطُ الأماني وكادت أن تسرقَ الأرواحَ في غفلةٍ من الزمن. وعلى عجل، انبرت فرقُ "الهلال الأحمر" كملائكةِ رحمةٍ بُعثوا من صميمِ الأمل، لينتشلوا فتياتٍ من بين أنيابِ حطامٍ غدت معه السيارةُ أثراً بعد عين، فأسكنوا روعهنَّ بلمساتٍ حانية وأنفاسٍ من الطمأنينة.
وفي تلك البرهةِ الفارقة التي يقفُ فيها الزمنُ واجلاً، تجلَّت مروءةُ "أبناء البلد"؛ فما إن دوّى صدى الحادث، حتى هرع المارّةُ في سباقٍ مع اللهفة، يطوون المسافاتِ بقلوبٍ غلبَ حنينُها خوفها. رأينا مشهداً يسكبُ النبلَ في مآقي الناظرين؛ رجالاً أسقطوا أشمغتهم عن رؤوسهم ليلبسوها الفتياتِ "سِتراً ووقاراً"، ونساءً مسعفاتٍ بذلن الغالي والنفيس ليغزلن من كفوفهنَّ شراعاً للأمان والسكينة.
هناك من أطفأ لظى الروع بقطراتِ ماءٍ باردة، ومن احتضن رجفاتِ القلوب بكلماتٍ كأنها البلسم. لقد خرجنَ من ركامِ الحطام الذي لم يعد يصلحُ لشيءٍ إلا ليكون شاهداً حياً على "لطف الله" الخفي؛ فكأنَّ دعواتِ أبٍ في سجودِ الليل، وصدقاتٍ بُذرت في الخفاء، كانت هي "الترسَ المنيع" الذي ردَّ عوادي القدر وحمى الأرواح.
لم تجرحهنَّ خشونةُ الأرض، بل احتضنتهنَّ لينُ السواعدِ المؤمنة؛ ليبقى الأثرُ منقوشاً بمدادٍ من نور: أنَّ صنائعَ المعروفِ تقي مصارعَ السوء، وأنَّ شهامةَ هذا الشعبِ الأصيل ستظلُّ ترفرفُ دوماً كشماغٍ أحمرَ شجاعٍ يواجهُ العاصفةَ بجمالٍ وصمود.
اللهم طهّر تلك السواعد، واحفظ القلوب التي تجعلُ من المعروفِ وطناً.
بقلم / ديمة الشريف

شماغٌ أحمر وظلالٌ من لُطف الله
وصلة دائمة لهذا المحتوى : https://www.mnbr.news/articles/460646.html


