في مساء اليوم السابع من ذي الحجة، ومع بدء توافد حجاج بيت الله الحرام إلى مشعر منى استعداداً ليوم التروية، كانت عيون الفتية والشباب من أبناء وبنات جمعية الكشافة العربية السعودية تترقب لحظة الانطلاق إلى ميادين الخدمة، يحملون في قلوبهم شغف العطاء، وعلى أكتافهم مسؤولية إنسانية عظيمة، اختاروا أن يكونوا فيها عوناً لضيوف الرحمن، وشركاء في صناعة الطمأنينة داخل المشاعر المقدسة.
ومن بين مراكز “مساك عناية” التابعة لوزارة الحج والعمرة المنتشرة في مشعر منى، بدأت رحلة طويلة من العمل المتواصل، لم تعرف التوقف حتى ساعات النهار من يوم التروية، حيث اصطف الكشافة والقادة الكشفيين في مواقعهم، يستقبلون الحجاج بابتسامات صادقة، ويرشدون التائهين، ويقودون كبار السن والعاجزين إلى مقارهم، في مشهد يجسد أسمى معاني الرحمة والتكافل الإنساني.
وفي الطرقات المؤدية إلى المخيمات، وعند الممرات والساحات، كانت أصوات التلبية تختلط بعبارات الدعاء التي يرددها الحجاج امتناناً لأولئك الفتية الذين جعلوا من خدمتهم رسالة، ومن أعمالهم اليومية صورة مشرقة لشباب المملكة، الذين تربوا على حب الخير، والإخلاص في العمل، وخدمة الإنسان دون انتظار مقابل.
ولم يتوقف دور الكشافة عند الإرشاد فقط، بل امتدت جهودهم إلى الوقوف جنباً إلى جنب مع أبطال وزارة الصحة في المستشفيات والمراكز الصحية المنتشرة في مشعر منى، حيث شاركوا في تنظيم المراجعين، ومساندة الفرق الطبية، ودفع المرضى وكبار السن بالعربات المتحركة بين الأقسام، والتعاون مع أطقم الطوارئ في تسهيل الحركة داخل المرافق الصحية، ثم مرافقة المتعافين وإعادتهم إلى مقار سكنهم بكل عناية واهتمام.
وفي كل مرة يعود فيها حاج إلى مخيمه سالماً مطمئناً، كانت الدعوات الصادقة تسبق خطى الكشافة، وترتفع الأكف بالدعاء لهم ولوطنهم وقيادتهم، تقديراً لما يجدونه من رعاية وخدمات متكاملة سخرتها حكومة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين -حفظهما الله- لخدمة ضيوف الرحمن، عبر منظومة عمل متكاملة تشارك فيها مختلف الجهات الحكومية والتطوعية بروح الفريق الواحد.
وتؤكد جمعية الكشافة العربية السعودية من خلال معسكرات الخدمة العامة التي تقيمها سنويًا في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، أن العمل الكشفي لم يعد مجرد نشاط شبابي، بل أصبح مدرسة وطنية وإنسانية تُخرّج أجيالًا تؤمن بالمسؤولية، وتترجم قيم المواطنة إلى أعمال ميدانية يلمس أثرها الجميع.
ويبقى يوم التروية مشهداً إيمانياً عظيماً، تتجلى فيه وحدة المسلمين وهم يتوافدون إلى بيت الله الحرام بقلوب خاشعة وألسنة ملهجة بالتلبية والذكر، في رحلة روحانية تتجدد كل عام، وتُذكر بمعاني الإيمان والطاعة والتضحية والتقرب إلى الله تعالى، فيما يواصل أبناء الوطن من الكشافة والقادة والقائدات كتابة صفحات مضيئة من البذل والإنسانية في خدمة الحجاج، لتظل تلك المشاهد شاهدة على عظمة الرسالة التي يحملونها، وعلى الصورة المشرقة لشباب المملكة في ميادين الخير والعطاء.


