في زمنٍ صارت فيه الكلمة أخفَّ من الريشة وأسرعَ من الريح تحملها وسائل التواصل الاجتماعي فتبلغ الآفاق ، و لم تعد فيه السياسة حديث النخب و لا مجالس الحكماء بل أصبحت ضجيجاً يومياً يتردّد في الأماكن العامة و على صفحات " النت " متناقلا عبر الهواتف يملأ الفضاءات الكلُّ يتحدث ، و القليل فقط يفكّر ، و الأقلُّ منهم من يُؤثّر .
السياسة في أصلها تدبير شؤون الناس ، و الاهتمام بها دليل حياةٍ في المجتمع لكن الخطر حين تتحول من وعيٍ و مسؤولية إلى ثرثرةٍ و نميمة ، و من فهمٍ و بصيرة إلى شائعاتٍ و تخمينات حيث يصبح الكلام – حين يفقد مسؤوليته – شبيهاً بالدخان يملأ الجو و لا يدفئ أحداً ..
ترى المواطن البسيط يتابع خبراً عاجلاً عن أزمةٍ في بلدٍ ما فيتحول المجلس فجأة إلى “غرفة عمليات عالمية” هذا يحلل قرارات الدول ، و ذاك يجزم بمصير الحروب ، و ثالث يوزّع الاتهامات و كأنه يملك مفاتيح الغيب .
الكلمة ليست مجرد صوتٍ عابر إنها مسؤولية مكتوبة ، وأثرٌ باقٍ
﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق:18).
كم من خبرٍ تداوله الناس ثبت أنه محض اختلاق و تزييف للحقائق بما يخدم المصالح و لم تعد الصورة أو مقطع " الفيديو " وسيلة اثبات فقد يكون طالته يد العابثين ..
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (الحجرات:6).
التبيّن ليس مجرد نصيحة أخلاقية، بل قاعدة اجتماعية لحماية العقول و المجتمعات..
السياسة ليست ملعباً للثرثرة، بل مساحةٌ للوعي ، و الكلمة ليست زينة مجالس بل أمانة و مسؤولية
فليس كل من تحدّث في السياسة صار سياسياً، و لا كل من حلّل الأحداث صار خبيراً ، و لهذا تبقى القاعدة البسيطة صالحة لكل زمان و مكان:
إن لم تُؤثِّر ،فلا تُنمِّم وتُثرثر ..
الصمت المسؤول أبلغ من آلاف الكلمات التي لا تصنع فرقاً .



