الفراشات، تلك التي أحجم محمد شكري عن الاعتراف بها؛ لأنه أكل من القمامة، ونام في الشارع، فلم يجد في مخيِّلته وصفًا لها، ولا استساغ قلمُهُ الكتابة عنها. التقيتُ إحداها ساكنةً تحت شجيرة الليمون في حديقتي الصغيرة وأنا أرتِّبُ ظفائرها وأقلِّمُ أظفارها.
كان سكونها طويلًا يدعو إلى الاستغراب، مشوبًا بين الحين والحين برعشةٍ تعتري جناحيها المخضبين بألوانٍ غاية في الحسن والإتقان، دنوتُ منها فلم تَجْفَل، ومددتُ يدي نحوها فلم تَحْفَل؛ فحملتُها على راحتي ورُحت أقلِّبها، كطبيبٍ يتفحَّصُ مريضًا على سرير العناية، لكنها دغدغت يدي بمجساتها، وكأنها تقبِّلُها متوسلةً للبقاء؛ فمسحتُ عليها بأطراف البنان برفقٍ لأبعث الطمأنينة في نفسها، وأشعرها بأنني لستُ العدو الذي تهابه، ولا الصيَّاد الذي تخشاه.
رَكَنَتْ إليَّ لحظة، واطمأنت نفسها؛ فهمسَتْ بصوتٍ يضنيه الإجهاد ويُغالبُه التَّعب: أيَّ شيءٍ تريدُه مني وقد حملتني؟!
قلت: سكونك المريب، وجمالك العجيب، أثارا فضولي!
جمال؟! ارتعشَتْ وهي تقولها، كمن يضحك من كذبةٍ سمعها وهو يعلم أنها تنطوي على استخفافٍ بعقله، ثم أردَفَتْ: عن أي جمالٍ تتحدث؟! أوَلَستم أيها البشر من سمَّم موارد الجمال وقتله، ثم مشى في جنازته، ووقف ينتحب - بهتانًا - عند ضريحه؟! وتابعَتْ بعد أن رأت في عينيَّ نظرة الذهول والدَّهشة والإنكار: لستُ أنا من يقول ذلك يا صديقي، إنما تاريخكم الأسود يشهد. إن كنتَ تفتِّشُ عن الجمال في مزيجٍ من الألوان، فاعلم أنك قد تهت الطَّريق وضيَّعت العنوان؛ لأن الجمال دُفِن في أكفان سلامٍ أحْرَقَتْهُ نيران الحروب، ونعيمٍ لم يُقدَّر له العيشُ تحت أنظار الحسود، في أكفان بِرٍّ داسته أقدام العقوق، ورَحِمٍ مزَّقَتْ أوصالها أيدي الخصام، دُفِنَ الجمال - يا صديقي - يوم كَتَبَ الخلافُ للحبِّ أسوأ نهاية، ويوم مُرِّغت الصداقات في أوحال الوشاية، يوم احتزَّ النفاقُ رأس الصدق، وخرج الكذب يرفع للنصر راية.
بدأتْ أنفاسها تتقطع وهي تقول: هل تكتفي بالغيْض، أم أُبحرُ بك نحو الفيْض؟ قلت: بل يكفي؛ فقد ألْهَبَتْ سياطُ حديثك ظهري العاري.
وضعتها برفقٍ على إحدى الأزهار المتفتحة، ولستُ أدري حينها أكنتُ أريد أن أعيد الحياة إلى الجمال أم أنني أردتُ أن أعيد الجمال إلى الحياة! لكنها أدركت مرادي الذي لم أدركه؛ فقالت مقالتها الأخيرة: دعني بالله عليك أرقد في سلام، فليس للجمال في عالمكم مُقام.
بقلم/ يوسف الشيخي

وقفةٌ على أطلال الجَمال
وصلة دائمة لهذا المحتوى : https://www.mnbr.news/articles/458792.html


