الخذلان الذي قد يصادفنا ممن شاركونا العمل في ميدان الإعلام ليس مجرد موقف عابر، بل تجربة تكشف معادن النفوس حين تتقاطع المصالح وتنكشف الأقنعة.. كم هو مؤلم أن يتوارى الوفاء خلف مظاهره، وأن تختبئ النوايا في عوالم مغلقة لا نملك مفاتيحها، فلا نرى حقيقتها إلا بعد أن ندفع ثمن الثقة..
نتساءل: لماذا هذا التنكر؟ ولماذا يتحول بعض من رافقونا في الطريق إلى غرباء حين تلوح لهم مصالح أخرى؟
غير أن الخذلان مهما اشتد لا يملك أن يكسر من يعرف قدر نفسه، من لا تهزه المواقف الطارئة.. فنحن لم نخض غمار المجهول سذاجة، ولكننا كنا نبحر مع من لم يرَ البحر كما نراه، ولا يؤمن برسالة نؤمن بها..
ومع ذلك فإن السؤال الأهم ليس: لماذا خذلونا؟ بل: ماذا سنفعل نحن بعد أن انكشفت الحقيقة؟ الحقيقة أن الخذلان ليس نهاية المطاف، بل هو غربال القيم يفرز الصادق من المتلون، ويكشف من يعمل بإخلاص ومن يعمل بانتظار الفرصة الأنسب للانسحاب.. نعم، ليس نهاية المطاف، وإنما محطة اختبار.. هو قانون من قوانين الحياة يضعه الله في طريقنا ليقوي عزائمنا ويصقل تجاربنا ويميز بين من يعمل بإخلاص ومن يتقن فن التلون..
ليس عيبًا أن يُخيّب أحدهم ظننا، لكن العيب أن نتوقف بسببه.. نحن نقف على أرض صلبة نعرف قيمتنا، ونعي أن القمم لا تُنال بالارتهان للآخرين، ولكن بالإصرار والعمل والثبات.. قد يظن البعض أن التنكر يُسقطنا وأن الإرجاف يضعفنا، لكنهم يجهلون أن الرياح العاتية لا تزيد الجبال إلا رسوخًا..
نحن في وطن حر أبيّ برجاله ونسائه، بشعبه الذي لا ينحني لريح عابرة.. نصنع مجدنا بأيدينا ونمضي بثقة نحو أهدافنا، لأننا نؤمن أن من يتوكل على الله ويعمل بصدق لا تهزه خيبات الطريق.. فالخذلان ليس هزيمة بل درس، وليس سقوطًا بل خطوة نحو وعي أعمق ونضج أكبر..
سنظل أوفياء لمبادئنا، أوفياء لأنفسنا، نمضي مرفوعي الرأس، نرتقي بأخلاقنا قبل إنجازاتنا، ونبلغ القمة لأننا نستحقها، لا لأن أحدًا منحنا إياها، بل لأننا صنعناها بإرادتنا..
لسنا نادمين على الثقة، بل فخورين بأننا منحناها بصدق.. ولسنا متألمين من التنكر، لأنه كشف لنا الطريق بوضوح أكبر.. فالخذلان ليس هزيمة بل درس قاسٍ يعلمنا أن نختار بحكمة، وأن نمضي بقوة، وأن نؤمن دائمًا بأن من يتوكل على الله لا يخسر حتى وإن تغيّر من حوله.
بقلم : معيض محمد القرني

حين تسقط الأقنعة وتبقى القيم
وصلة دائمة لهذا المحتوى : https://www.mnbr.news/articles/458759.html


