ليس كلُّ سؤالٍ ذكاءً، وليس كلُّ صمتٍ ضعفًا. ففي المسافة الدقيقة بين الفضول والتطفّل تتجلّى أخلاق الإنسان، ويُختبر وعيُه وحدوده. إن الفضول سِمةٌ فطرية تدفع الإنسان إلى المعرفة والفهم، وهو المحرّك الأساس للتعلّم والتطوّر وصناعة القرار. فبه يكتشف الإنسان العالم، ويحلّل الظواهر، ويبحث عن الأسباب قبل إصدار الأحكام.. وحين يكون هذا الفضول موجّهًا نحو العلم والخبرة والتجربة، يصبح فضيلةً تبني الفرد وترتقي بالمجتمع. لكن المشكلة لا تكمن في السؤال ذاته، بل في وجهته وحدوده. فالفضول حين ينصرف إلى المعرفة النافعة يكون نورًا، أما حين يتسلّل إلى خصوصيات الآخرين، ويتحوّل إلى بحثٍ في تفاصيل حياتهم الشخصية دون حاجة أو إذن، فإنه يفقد قيمته الأخلاقية، ويتحوّل إلى عبء ثقيل على العلاقات. كم من الأسئلة نطرحها دون أن نتوقف لحظة لنسأل أنفسنا: هل يعنيني هذا حقًّا ؟
لماذا لم تتزوّج ؟ وكم راتبك ؟ ولماذا زاد وزنك ؟ وهل لديك أبناء ؟ أسئلة تتكرّر في المجالس، وتُقال أحيانًا باسم «الاهتمام»، لكنها في حقيقتها قد تُحرج، أو تُؤلم، أو تفتح جراحًا لا نعلم عنها شيئًا. والمفارقة أن بعض الناس يظن الإلحاح لطفًا، ويحسب التدخّل قربًا، بينما هو في نظر الطرف الآخر اقتحامٌ صريح لمساحة شخصية لا يرغب في كشفها. نلمّح أحيانًا بعدم الرغبة في الإجابة، ونحاول تغيير الموضوع، لكن المتطفّل لا يلتقط الإشارة؛ لأنه لا يرى في السؤال حدًّا ينبغي أن يقف عنده. لقد دعا الإسلام إلى طلب العلم، وفتح أبواب التساؤل فيما ينفع الإنسان ويُعمر الحياة، لكنه في الوقت ذاته صان الخصوصيات، ونهى عن التتبّع والتجسّس وإيذاء الناس بغير حق. فليس كلّ ما يُعرَف يُقال، وهناك فرق كبير بين فضول يصنع معرفة، وفضول يصنع ضيقًا.. المجتمع الراقي لا يُقاس بكمّ ما يعرفه أفراده عن بعضهم، بل بمدى احترامهم لما اختار الآخرون ألا يقولوه. فالخصوصية ليست جدارًا للعزلة، بل حقّ إنساني يحفظ الكرامة ويُشعر الإنسان بالأمان، ولا يُلام من اختار الوحدة، ونأى بنفسه المتعبة بعيدًا عن الزحام والضوضاء، وآن لمحارب أن يستريح، ويقتطع لنفسه جزءًا من الوقت ليستعيد عافيته ويلتقط أنفاسه قبل العودة إلى السير في ميدان هذه الحياة الواسعة.. لا تطرقوا الأبواب المغلقة، فليس كل فضول مشروعًا، ولا كل اقتحام مقبولًا، والاحترام يبدأ حين ندرك أنّ لكل إنسان مساحته الخاصة، وحقّه في الصمت والهدوء. إنّ من أرقى صور الذكاء الاجتماعي أن تدرك متى يكون السؤال مناسبًا، ومتى يكون الصمت أبلغ. فالسؤال في موضعه تواصل، وفي غير موضعه تجاوز. والفرق بين الذكاء والحماقة ليس في كثرة الاستفهام، بل في وعي الحدود.. لك أن تسأل، ولكن ليس لك أن تقتحم .
المقالات > أحمد الدرهمي, بين الفضول والتطفّل: وعي الحدود يحمي العلاقات > بين الفضول والتطفّل: وعي الحدود يحمي العلاقات
بقلم : أحمد الدرهمي

بين الفضول والتطفّل: وعي الحدود يحمي العلاقات
26/02/2026 9:15 م
بقلم : أحمد الدرهمي
وصلة دائمة لهذا المحتوى : https://www.mnbr.news/articles/458760.html


