ليست لغتنا العربية مجرد حروف ننطقها أو كلمات ندوّنها، بل هي روح وهوية، ومرآة حضارة ضاربة في عمق التاريخ، ووطن نسكنه ويسكن فينا، هي ذاكرة أمة امتدت جذورها عبر التاريخ لترسم ملحمة المجد والعز، وحين نقول إننا نفخر بعربيتنا، فإننا نعلن انتماءنا لثقافة عريقة ولغة حملت بين طياتها أرقى وأسمى صور التعبير الإنساني، ومرتبطة ارتباطًا وثيقًا بجذورنا الفكرية والإنسانية.
نفخر بالعربية لأنها لغة القرآن الكريم، ولأنها حملت رسالة العلم والمعرفة قرونًا طويلة، واستطاعت أن تحافظ على حضورها رغم تقلبات الزمن، فكانت لغة الطب والفلك والفلسفة والأدب، وأسهمت في تشكيل الوعي الإنساني في مراحل مفصلية من التاريخ. هذه اللغة التي اتسعت مفرداتها لتصف أدق المشاعر وأعمق الأفكار، قادرة اليوم أيضًا على استيعاب معطيات العصر ومفاهيمه الحديثة.
غير أن الفخر الحقيقي بالعربية لا يتحقق بالاحتفاء السنوي بها، فالعربية ليست إرثًا نتغنى به فقط، بل مشروعًا ننهض به في حياتنا، وأن نخرجها من إطار الشعار إلى فضاء الفعل، وأن تكون لغة الحوار وحاضرة في حياتنا اليومية؛ في حديثنا، وفي تعليمنا، وفي إعلامنا، وفي فضاءاتنا الرقمية، فحين تُهمَّش اللغة يضعف ارتباط الفرد بثقافته وتاريخه، ويتشكل شعور بالاغتراب، خاصة لدى الأجيال الناشئة.
إن أخطر ما تواجهه العربية اليوم هو تحويلها إلى لغة امتحان لا لغة حياة، ولغة قواعد لا لغة تفكير، ولغة نصوص محفوظة لا أداة للتعبير الحر والنقد والابتكار، فحين نحاصر اللغة في قوالب جامدة، تفقد قدرتها على التأثير، ونفقد معها المتعة والانتماء.
المسؤولية هنا جماعية ولا تقبل المجاملة. الإعلام مطالب بلغة عربية رصينة لا مبتذلة، والمدرسة مطالبة بتعليم العربية بوصفها لغة عقل لا عبئًا دراسيًا، والأسرة مطالبة بزرع الثقة بها في نفوس الأبناء، لا التعامل معها كلغة أدنى من غيرها.
نفخر بعربيتنا حين نستخدمها بثقة، وحين نكتب بها دون تردّد، وحين ندافع عنها دون عقد نقص. فاللغة التي لا ندافع عنها نخسرها، والهوية التي لا نمارسها تذوب، وستبقى العربية قوية بقدر ما نكون نحن صادقين في هذا الفخر، لا شعارات تُرفع، بل ممارسة واعية ومسؤولية مستمرة.



