قال لي أحدهم: اصطحبتُ بُنيَّاتي ووالدتهم - كالعادة - إلى المدرسة، لكن التأخر عن الدوام أثار ضجيجًا مكبوتًا في داخلي، وبالطبع لم أشأ أن أصرخ بذلك الضجيج في وجوههم؛ كي لا أعكٍّر صفو يومهم، لكنني - صدقًا - كنتُ بحاجةٍ فقط إلى من يسحب مسمار الأمان لينفجر ذلك الضجيج.
وصلنا إلى محطة النزول، وهناك كانت المفاجأة؛ فالشخص الذي سيسحب المسمار كان حاضرًا أمام باب المدرسة، شابٌ وسيمٌ غريبٌ عن المكان، يقف في قِمَّة أناقته، ويضيِّقُ الطريق على العابراتِ بصفاقَتِه، ولا أظنُّ تصرُّفه إلا عن غير قصدٍ كما أظهرَت لي الأحداث من بَعْد.
غَلَت دماء الغَيْرة العربية التي تجري في عروقي، واهتزَّ مسمارُ الأمان، فأزَحتُ الستار الزجاجيَّ بيني وبين صاحبي، وآذَنَ بركان الغضب بالثَّوَرَان، غير أنه في أقلَّ من ثانيةٍ خَمَد! وما ذاك إلا لأنَّ الشاب بادَرَ بابتسامةٍ عندما رأى زجاج النافذة قد أزيح، وكأنه أحسن الظن بنيًّتي، ولأنني لم أشأ أن أخيِّب ظنه؛ فقد اكتفيتُ برد السلام، وإنزال الصُّحبة إلى مدرستهم. أما هو فقد ردَّ السلام، وتزحزح عن المكان، وكأنه يخبرني بأن ذلك المظهر الجاذب يخفي تحته لبيبًا بالإشارة يفهمُ.
غادرتُ متعجِّبًا من حالي الذي تحوَّل في أقل من ثانية، متسائلًا، هل من الممكن أن تصنع الابتسامة كل ذلك؟! فأدركتُ أن الحبيب ﷺ لم ينطق عن الهوى حينما قال: "وابتسامتك في وجه أخيك صدقة"، فمردود الصدقة ونفعها ليس لصاحبها فقط، بل هو أيضًا للمستقبِل لها.
الابتسامة دليلٌ على طهارة الصدر ورِفعة القَدْر، تُذهِبُ التَّوتر والقلق، وتجمعُ وَجْهَ الصَّفْحِ إذا انفلَق، وهي سرُّ الجاذبيَّة للقلوب؛ فصاحبها بين الناس محبوب، ما ألِفَها وجهٌ إلا وأشرق، ونَضُرَ، وتجدَّد، ولا افتقدها وجهٌ إلا وأظلم، وبانت عليه آثار الشيخوخة، وتجعَّد.
الابتسامة مفتاح السلام وباب الأُنْس، ليس في ذلك شكٌّ ولا لبس، فأميطوا عن ابتساماتكم اللثام؛ ليحظى الجميح بالحب والأنس والسلام.
المقالات > مفتاح الحُبِّ والأُنْسِ والسلام
بقلم/ يوسف الشيخي

مفتاح الحُبِّ والأُنْسِ والسلام
وصلة دائمة لهذا المحتوى : https://www.mnbr.news/articles/457245.html


