ما بين صرخة القدوم وصمت الرحيل لم يُذكَر أنَّ أحدًا صاغ عنوانًا عريضًا لقصَّته في الحياة. لم يَخرُج أحدٌ إلى العالم مرتديًا زيَّ الدًّور الذي سيؤديه، ولم يُكتَب في هوية أحدٍ -يوم وُلِد- إن كان ساديًّا، أم نرجسيًّا، أم سيكوباتيًّا، أم أنه خليطٌ من هذا وذاك.
لا اللِّصُ وُلِدَ لصًّا، ولا القاتل جاء إلى الدنيا بيدين ملطَّختين بدماء الجريمة. لا النَّاقمُ على الحياة أخذ دروسًا في الانتقام منذ اللحظة التي أطلقَ معها صرخته في وجه حامله؛ وكأنه يعترض على مصيرٍ غامضٍ يتربَّص به، ولا المتمرِّدُ عرف معنى التمرُّد في مهده الضيِّق قبل أن تضيق عليه الحياة.
كلُّ أولئك وغيرهم -في الحقيقة- لم يكونوا سوى ضحايا حربٍ شَنَّتها عليهم القسوة بكل أسلحتها؛ فتحصنوا خلف ما ظنّوه دروعًا ستحميهم من السقوط، وتضمن لهم البقاء والاستمرار في المواجهة.
تعثَّروا في لحظة ضعفٍ بشخصٍ ما، بشيءٍ ما، بموقفٍ ما، حطَّم معنى الجمال في داخلهم، وأسدل أستار الظلام على الجانب المضىء في أعماقهم؛ فأعتمت تلك الأعماق، وتحول كل جميل في الخارج -مع تلك العُتْمَةِ- إلى مزيجٍ من الزيف والخداع الذي لا يستحق التصديق.
تعبوا من الانكسار تلو الانكسار، والخذلان الذي يتبعه خذلان، والضعف الذي لم يولِّد سوى التجاهل والإنكار؛ فتمزَّقت كل القيم التي حالت يومًا ما بينهم وبين الانحدار إلى الدرك والحضيض، واتَّخذَ كلٌّ منهم لنفسه مسارًا آخر يجد فيه نفسه، وينسيه الإحساس بالجحود الذي أحاط به، والخذلان الذي نهش منه جسد الثقة، والضعف الذي سحقه تحت أقدام التسلٌّط والسُّلطة.
كل واحدٍ من أولئك خلفه حكايةٌ أنسته الإنسانية، وسحبت منه هوية الآدمية؛ ليصبح نكرةً في عالمٍ يدًّعي المثالية، ربَّما كلمةٌ عابرةٌ جرحت دون اعتبار، أو ظلمٌ تخطى حدود الطاقة والتَّحمل والاصطبار، أو ربَّما خيانةٌ سلبته الثقة فيمن حوله؛ فتحوَّل شيئًا فشيئًا إلى التمرُّد والانقلاب على تلك المبادئ والمُثل التي غادرت قاموس معرفته، وإن أصعب معركةٍ في الحياة -كما يقول شكسبير- عندما يدفعك الناس إلى أن تكون شخصًا آخر.
ثقافة و فن > الهوية المفروضة
07/03/2026 11:13 ص
الهوية المفروضة
بقلم/ يوسف الشيخي
بقلم/ يوسف الشيخي
وصلة دائمة لهذا المحتوى : https://www.mnbr.news/459291.html


