أيْ بُني، أراك وقد انزلقَ قلمك على صفحات القياس المصقولة؛ فتصدَّع شيءٌ ما في داخلك! شيءٌ لا ينبغي له أن يتصدَّع؛ لأنه الوقود الذي يغذي طموحك ليُسافر بك إلى مستقبلك، شيءٌ يُسمَّى العزيمةَ والإصرار.
أراك وقد أسْلَمتَ عزيمتك - منذ أول خطوة - للفشل؛ ليمتصَّ منها الأحلام الجميلة والأمل، ويلفظ ما تبقى منها في تابوت اليأس والبؤس، ثم يختمُ نعشَها بآخر مسمارٍ من مساميره الجارحة، ويلقي بها في دهاليز التِّيه، حتى إذا ما جئتَ تتفقدُ نفسَك وجدتَها بلا روح، بلا معنى، وبلا جوهر. فقل لي بربك، كيف استَرْخَصْتَ تلك العزيمةَ وبعتَها بأبخسِ ثمنٍ لظِلٍّ لا رائحة له ولا لون ولا طعم ؟!
أيْ بُني، ما عهدتُك الجنديَّ الذي يلوذُ بالفرار إذا ثار النَّقْعُ واشتدَّ الوَقْع، بل إن عهدي بك الفارسَ الذي يُتْقِنُ الكَرَّ ولا يعرفُ معنى الفر، وينقضُّ انقضاضَ الطَّوارِقِ حينما تلوح في الأفق البوارق، الفارسَ الذي يعشق خَوْضَ الغِمارِ واقتحام الأسوار، فإن كنتَ تحسبُ أن الزمن سيتوقف عند اللحظة التي سقطتَ فيها فقد جانَبَكَ الصَّواب؛ إذ لا تنتهي فصول الروايات عند سقوط الرايات، بل تبدأ حينئذٍ فصولٌ جديدة، تتجدَّد فيها الدماء، وتُعالَجُ فيها الأخطاء.
ألا فاجعل من هذه المعركة التي خرجتَ منها مهزومًا منكسرًا وقودًا لأخرى تغادرها منتصرا، لأنك اليوم - شئتَ أم أبيت - قد وطِئتَ بقَدَمِكَ ساحةً معاركُها تَتْرَى، كلٌّ معركةٍ منها تفضي إلى أخرى، ومع كل انتصارٍ تعلٍنُهُ في تلك المعارك تكون قد أعلنتَ جدارتك بتحقيق طموحاتك، وأهلِيًّتك للذَّوْدِ عن أرضك وصَوْنِ مملكتك.
لا تحسبنَّ المجدَ تمرًا أنت آكلُهُ
لن تبلغَ المجدَ حتى تلعَقَ الصَّبِرا



