مما يؤثر في المجتمعات الصغيرة ويضعف تماسكها ثلاث حالات حين تنقلب الموازين، ويصبح الصدق سذاجة، والخداع ذكاء، والسكوت عن الحق حكمة.
ففي بعض المجتمعات لا تكون المشكلة في غياب القيم بقدر ما تكون في اختلاط معايير الحكم عليها، فيُنظر إلى الإنسان المستقل على أنه متجاوز، وإلى صاحب الموقف على أنه مصدر إزعاج، بينما يُمنح المتلون مساحة أوسع؛ لأنه يعرف كيف يتحرك داخل المساحات الرمادية، وكيف يصنع لنفسه قبولًا ولو على حساب الحقيقة.
وحين يظهر شخص لا يسير في الصف نفسه، ولا ينتظر التصفيق، ولا يتردد في أن يكون مختلفًا، تبدأ حوله الحكايات، تُنسج التأويلات، وتكثر الملاحظات، ويُبحث عن مواطن النقص فيه، لا لأنه أساء، وإنما لأنه لم يقبل أن يكون تابعًا. فبعض البيئات لا تخشى من يخطئ بقدر ما تخشى من ينجح خارج السياق الذي اعتادت عليه.
والأخطر من ذلك أن تضعف مكانة الكبار وأصحاب الرأي الرشيد، فيخلو المشهد شيئًا فشيئًا لمن يجيدون التأثير أكثر مما يجيدون المسؤولية. وعندما تغيب البصيرة، يصبح من السهل إعادة تفسير العادات والقيم بما يخدم الأهواء، وتتحول العادات الجميلة المتوارثة من ضوابط تحفظ تماسك المجتمع إلى أدوات تُستخدم في الخصومة والإقصاء.
عندها قد يصبح الرجل الذي عُرف بالشهامة والوقوف مع الآخرين هو نفسه من يُدفع إلى الهامش، يُنسى ما قدمه، ويُقابل إحسانه بالنكران، وتُلبس الخصومة ثوب النصيحة، وتُخفى الضغائن خلف ملامح الود حتى تنتهي الحاجة. وحين يصبح نكران الجميل سلوكًا مألوفًا، فإن المشكلة لا تكمن في شخص واحد، بل في معيار أخلاقي بدأ يتآكل.
هذه ليست مشكلة مجتمع بعينه، إنها ظاهرة يمكن أن تبدأ في أي بيئة حين يقل الوعي، وتتراجع القدوة، ويُهمش أصحاب العقول، ويُمنح التأثير لمن يملك القدرة على تحريك الناس، لا القدرة على توجيههم.
فالمجتمع لا يحتاج فقط إلى من يتحدث باسمه، ولكن إلى من يمتلك شجاعة أن يقول له الحقيقة عندما يخطئ. ولا يحتاج إلى كثرة المتصدرين بقدر حاجته إلى حضور من يزنون الأمور بعقل، ويحفظون للناس حقوقهم، وللقيم والعادات معناها، وللاختلاف مساحته الطبيعية.
وحين يصبح الخداع ذكاء، والصدق سذاجة، والسكوت حكمة، فالمشكلة ليست أن المجتمع فقد الطريق فحسب، بل أنه قد يبدأ في اعتبار من يقوده في الاتجاه الخطأ هو الأكثر بصيرة.
فإذا كان من يقود هذا المجتمع الصغير بلا بصيرة، فقد يمضي الجميع بثقة نحو المكان الخطأ.



