قادمٌ من السكون إلى صخب الحياة، ومن حيِّزٍ ضيِّقٍ كان يشاطره الوحدة إلى فضاءٍ أوسع يغشاه الزِّحام، جاء وفي فمه صرخةٌ لامست كلَّ شيءٍ حولها إلا انتباه عالمٍ لا يشتهي الإنصات؛ كيلا يجهد نفسه في الاستيعاب والتمييز!
لم تكن الصَّرخة مجرَّد إعلانٍ عن الوصول والانتماء؛ بل رسالةً موجَّهةً للإبلاغ عن مشاعر خفيَّةٍ في أعماق ذلك المخلوق هي لُّبُّ كينونته، والجزء الأدقُّ من كيانه، والتفصيل الأعمق دَلالةً على إنسانيته، لكنَّ الاهتمام في تلك اللحظة كان منصبًّا على الجنس واللون والهيئة والملامح والشَّبه، بعيدًا كل البعد عمَّا وراء المحسوس؛ وهنا يأتي حظُّ الصَّرخة من التأويل: في نظرهم ليست سوى استجابةٍ فيزيولوجيةٍ حيويةٍ طبيعية!
الإنسان - في واقع الأمر - ليس جِرْمًا جامدًا يشغل فراغًا في الكون دون أن يكون له إحساس، ولا هو كائنٌ بهيميٌّ يحسُّ ولا يمتلك القدرة على التعبير؛ إنما هو مخلوقٌ اجتمعت فيه صفات الوعي والإدراك والتمييز؛ وعيٌ بوجوده وانتمائه، وإدراك لحقوقه وواجباته، وتمييزٌ لوسائله وغاياته، ثم يأتي دور ذلك التمييز ليكون حارسًا على أحاسيسه التي تتحوَّل إلى مشاعر ترسم خارطة الطَّريق لردود أفعاله.
غير أنَّ قَدَرَهُ زجَّ به في أحضان عالمٍ سنَّ قوانينه على التَّغافل متى شاء، وشرَّع مناهجه على صَرْفِ انتباهه إلى ما يشاء دون ما لا يشاء، عالمٌ جاءت المشاعر في قاموسه شيئًا لا يُرى، وما لا يُرى ليس له موضعٌ في دائرة الاهتمام إلى أن تحين لحظة ارتطامٍ تُشعر بوجوده!
بقلم / يوسف الشيخي

لُبُّ الكينونة ودَلالَةُ الإنسانية
وصلة دائمة لهذا المحتوى : https://www.mnbr.news/articles/470533.html


