كثيرًا ما نحاول إخفاء مشاعرنا خلف أقنعةٍ من الصلابة والقوة، أو أخرى من الوقار والرصانة، لكنها عاجلًا أم آجلًا ستظهر في لحظة ضعف، عندما يستدعيها موقفٌ ما بقوةٍ للخروج والظهور للعلن؛ فيصبح الإنسان حينئذٍ عاجزًا عن السيطرة عليها وإبقائها حبيسة تلك الأقنعة.
لمستُ هذه الحقيقة وعشتُ اللحظة التي أعنيها وأنا أتقدم بخطواتٍ متثاقلةٍ نحو باب المدرسة التي قضيت فيها آخر سنوات خدمتي في التعليم؛ لأضع التوقيع الأخير على وثيقة إنجازي، وأنظمَّ إلى قافلة المتقاعدين، بعد مسيرةٍ من الجهد والبذل والعطاء والخدمة لديني ومليكي ووطني وأبناء وطني، دامت -بفضل الله- أربعين عامًا.
كانت خطاي ثقيلةً وأنا أتقدم لأودع طلابي وزملائي وأسوار المدرسة التي قضيت فيها آخر سنوات خدمتي؛ لأن مشاعر مختَلَطةً من السعادة والحزن كانت تتأجج حينها في داخلي، وتتحين فرصة الرِّقة والضعف لتثور؛ فرحةٌ وسعادةٌ بالإنجاز من جانب، وشعورٌ بالأسى والحزن على فراق الأحبابٍ والمهنة التي كنت أتلذَّذ كلَّ يومٍ بمزاولتها من جانبٍ آخر، وبين هذا وذاك وجدتُ نفسي أبدي بعض التماسك الهش، وأشدُّ على يد عزيمتي، وأتصنَّع الثَّبات، دون أن أدرك أن كل تلك المحاولات ستذهب هباءً منذ اللحظة الأولى. استقبلني مدير المدرسة الدكتور أحمد الخيري، وأخي الأستاذ يوسف؛ وألبساني (البشت) كرداء تشريفٍ واعتزازٍ وافتخار أدخل به المدرسة للمرة الأخيرة، وما إن استوى على كتفيَّ حتى أحسست بشيء من القشعريرة تسري في جسدي كتيارٍ كهربائيٍّ سرى في جسمٍ مبتلٍّ، فأدركتٌ أنها المشاعر تستهمُّ للخروج، وحبستها ما استطعتُ وواصلتُ السير، فالتقيتُ الزملاء وقد اصطفوا لاستقبالي، وتهيئوا للسلام والتوديع، وكنت مع كل يد تصافحني أغالبُ عَبْرةً تكاد تنسكب، وما إن وصلتُ إلى الباب الرئيسي للمدرسة، ولامَسَتْ قدمي عتبة الباحة الداخلية لها، حتى فاجأني هتاف أبنائي الطلاب وتصفيقهم بحرارة اهتزت لها أرجاء المدرسة، وقد تحلَّقوا حول شرفات أدوارها الثلاثة، هنا لم يعد بمقدوري كبح جماح تلك المشاعر أكثر، فأطلقت لها العنان لتفيض بالشكر والامتنان، وأيُّ شكرٍ أو امتنانٍ أستطيع تقديمه لقاء ذلك الاحتفاء الذي قوبلتُ به، وتلك الحفاوة التي كانت مرآةً صادقةً لقلوبٍ بيضاء نقية، أسرَّت لي الحب والود طوال سنواتٍ مضت، ثم أظهرته في لحظةٍ لا يمكن للنسيان أن يطويها.
شكرًا لأخي مدير المدرسة، شكرًا لزميلي وصديقي رائد النشاط الأستاذ سالم الرفيدي، الذي لم تخلُ لحظة الوداع من لمسات إبداعه، شكرًا لكل زميلٍ ولكل ابن من طلابي، شكرًا لأنكم وضعتم على صفحة تقاعدي بصمةً لا تنسى ولن تغيب.
أخبار > التقاعد: مشاعر ليست للنسيان
16/10/2026 6:47 م
التقاعد: مشاعر ليست للنسيان
بقلم/ إبراهيم الشيخي
بقلم/ إبراهيم الشيخي
وصلة دائمة لهذا المحتوى : https://www.mnbr.news/471771.html


