في عالمٍ تتسارع فيه التحوّلات، وتتقاطع فيه المصالح والأفكار، يبقى العقل هو البوصلة التي تهدي الإنسان إلى سواء السبيل. غير أن هذه البوصلة تفقد قيمتها إذا أُغلِقت، تماماً كما تفقد المظلّة وظيفتها إن بقيت مطوية. فالعقلُ المنغلق ليس عجزاً في القدرة، بل قصورٌ في الإرادة، وانصرافٌ عن نور الحقيقة إلى ظلمة الانكفاء.
إن الإنسان حين يُغلق عقله، إنما يُعلن – دون أن يشعر – نهاية الحوار وبداية الجمود. فلا يمكن حلّ مشكلةٍ مع رجلٍ قد قرر مسبقاً أن يرفض، وأن لا يرى إلا رأيه، وأن يُقصي كل صوتٍ سواه. ذلك لأن المشكلة في هذه الحالة لا تكون في الفكرة، بل في الإطار الذي تُعرض فيه؛ إطارٍ ضيّقٍ لا يسمح بدخول ضوءٍ جديد، ولا بمرور نسمة اختلافٍ قد تُنعش الفهم.
العقل المنفتح ليس ضعفاً، بل هو قوةٌ واعية؛ قوةٌ تقبل أن تتعلّم، وأن تُراجع، وأن تُصحّح. وهو وحده القادر على تحويل الخلاف إلى فرصة، والتباين إلى تكامل، والاختلاف إلى إثراء. أما العقل المنغلق، فهو سجنٌ لصاحبه قبل أن يكون حاجزاً أمام الآخرين، يحجب عنه آفاق الإدراك، ويحرمه من جمال التعدد وثراء التجارب.
وإذا كان هذا المفهوم ينطبق على الأفراد، فإنه يتجلّى بوضوحٍ أكبر على مستوى الدول والمجتمعات. فالدول التي تُصرّ على الانغلاق، وترفض الانفتاح الفكري والثقافي، إنما تحكم على نفسها بالعزلة، وتُقصي ذاتها عن مسيرة التقدّم. إن الحضارات لا تُبنى بالعقول المغلقة، ولا تُدار بالجمود، بل تنهض على أسس الحوار، وتزدهر بالتفاعل، وتترسّخ بالقبول الواعي للآخر دون ذوبانٍ أو تفريط.
لقد أثبت التاريخ أن الدول التي تبنّت الانفتاح المنضبط، واستثمرت في تنمية العقل والتفكير الإيجابي، استطاعت أن تتجاوز أزماتها، وأن تحوّل التحديات إلى فرص. بينما بقيت الدول التي أغلقت أبوابها الفكرية أسيرة تكرار الأخطاء، تدور في حلقاتٍ مفرغة، لا ترى من العالم إلا صورتها المنعكسة.
إن الانفتاح لا يعني التنازل عن الهوية، بل هو وعيٌ بها، وثقةٌ في ثوابتها، وقدرةٌ على التفاعل مع الآخر دون أن تفقد ذاتها. وهو كذلك ليس دعوةً للذوبان، بل دعوةٌ للنضج؛ نضجٍ يُدرك أن الحقيقة لا يحتكرها أحد، وأن الحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحق بها.
وفي ختام المطاف، يظل السؤال قائماً: هل نختار أن نفتح عقولنا لنرتقي، أم نغلقها فننحسر؟ إن الجواب لا يحدّد مسار الأفراد فحسب، بل يرسم ملامح الأمم. فالعقلُ – كالمظلّة – إن لم ينفتح، لن يحمي، ولن يُعين، ولن يُثمر؛ بل سيبقى مجرد أداةٍ معطّلة في زمنٍ لا يعترف إلا بمن يُحسن استخدام أدواته.

المقالات > العقلُ يشبه المظلّة, عون آل شليل, لا يؤدي وظيفته إلا إذا انفتح > العقلُ يشبه المظلّة.. لا يؤدي وظيفته إلا إذا انفتح
بقلم / عون آل شليل

العقلُ يشبه المظلّة.. لا يؤدي وظيفته إلا إذا انفتح
01/04/2026 10:09 ص
بقلم / عون آل شليل
وصلة دائمة لهذا المحتوى : https://www.mnbr.news/articles/460904.html


