كما لا تستغني الروح عن جسدها، لا ينفصل الفرد عن وطنه؛ فهو كالأم التي احتضنته بحنانها، وأمدّت روحه بالعطاء.
الوطن كالأم، يعطي بلا انتظار مقابل، فلا يحيا الإنسان إلا بوطنه، ولا ينمو إلا في كنفه.
الوطن هو الحضن الذي يحنو على أبنائه، وهو الحنان الذي يسري في عروقهم، وهو الأمان الذي يستكينون إليه بعد مشقات الحياة.
وصلاح الأوطان لا يكون إلا بصلاح أبنائها، ولبّ الصلاح يكمن في صلاح الإيمان؛ فلا وطن بلا إيمان، ولا إيمان بلا وطن.
فمن عمّر قلبه بالإيمان، عمّر وطنه بالخير، ومن صلُح ما بينه وبين الله، صلُح أثره في الأرض، وسما عطاؤه في مجتمعه.
فالإيمان ليس مجرد شعائر، بل خُلق، وعمل، ووفاء.
ليكن حب الوطن عقيدة، وخدمته رسالة، وحفظ أمنه أمانة، ولنغرس في قلوب أبنائنا هذا اليقين: أن من أراد الخير لنفسه، فليكن خيرًا لوطنه، ومن أراد رضا الله، فليكن عبدًا صالحًا في أرضه، نافعًا لأهله، وفيًّا لحكامه، متزنًا في فكره، ثابتًا في ولائه، متجذرًا في حبه لترابه الطاهر.
الوطن لا يُبنى بالحجارة وحدها، بل يُبنى بالإيمان؛ بقلبٍ يخاف الله، ولسانٍ يذكره، ويدٍ تعمل وتزرع وتعطي. ويُبنى بطاعة ولاة الأمر الذين سخّرهم الله لرعاية الناس، فجعل في طاعتهم سكينة، وفي اتباعهم صلاحًا؛ إذ يسيرون على الكتاب والسنة، يعمرون الأرض عدلًا، ويصونون الدماء أمانًا.
وإذا ذُكر الوطن، ذُكر ولاة أمره؛ أولئك الذين حملوا الأمانة، وأرسوا قواعد العدل والأمن، فصانوا البلاد من كل سوء، ورسموا طريق النهضة والازدهار، ورفعوا راية الوطن شامخة بين الأمم. وبهم ـ بعد توفيق الله ـ استقامت شؤون البلاد، واطمأن العباد، وترسخت قواعد العدالة، وسارت القوافل آمنة. فلهم منا أسمى آيات الشكر والامتنان.



