تعود ظاهرة الغياب المتكرر كلَّ عام لتفرض نفسها على المشهد التعليمي، ولا سيما في شهر رمضان، حتى غدت من الإشكالات التي لم تُعالج جذريًا رغم تكرارها واستحضارها في كل موسم دراسي. ومع عودة الدراسة في الشهر الفضيل بعد أعوام من الانقطاع، كثر الحديث، وتعددت الآراء، بينما اتخذت الجهة المعنية قرارها، وأعدّت جدول الدراسة، وقُضي الأمر، غير أن بعض الاجتهادات الفردية برزت بوصفها «حلولًا عاجلة» للحد من الغياب؛ فتم إعداد جدول للاختبارات الفترية والتكوينية موزعًا على أيام الدراسة في رمضان، وتم نشره وتداوله بين المدارس على أنه صادر باسم وزارة التعليم، وفي نظر مروّجيه أن هذا الإجراء هو العلاج الأنسب لضبط الحضور، ولكن ما حدث فعليًا أن الاختبارات تحولت من أداة لقياس التحصيل إلى وسيلة للضغط من أجل الانضباط، وهو تحوّل يمس جوهر العملية التعليمية. فالتقييم وُجد لقياس نواتج التعلم، لا ليكون أداة تنظيم سلوكي. وهنا أخطأ المجتهد من حيث لا يدري؛ إذ إن التنظيمات المعتمدة تمنح المعلم صلاحية تحديد موعد اختبار مادته ضمن الإطار الزمني المخصص لها، بما يحقق العدالة ويضمن مرونة التنفيذ. أما الخطأ الأكبر، فهو تصدير هذا الجدول ونشره وتداوله باسم جهة رسمية دون سند نظامي..
إن معالجة ظاهرة الغياب لا تكون بتكثيف الاختبارات، بل ببناء بيئة تعليمية جاذبة، وتعزيز الدافعية، وتفعيل الشراكة مع الأسرة، مع الالتزام بالتنظيمات واحترام الصلاحيات. فالتعليم رسالة قبل أن يكون إجراءً، والانضباط يُبنى بالوعي والتحفيز، لا بتكديس أدوات القياس .



