قبل أن يغمرنا ضوء الشاشات وتوثيق اللحظات، كان للخير وجه آخر… وجه يمشي في الظلام مطمئناً، لا يطلب شهرة ولا ينتظر شكراً؛ ومع اقتراب شهر رمضان، يعود بي الحنين إلى تلك الليالي في قريتي "النويعمة" بوادي الدواسر، حيث تعلمت أول درس في العطاء دون أن أدرك أنني أتعلم.
كانت القرية تغفو على سكون تام لا كهرباء ولا ضجيج، سوى ضوء السراج المتمايل على الجدران الطينية؛ في ذلك الزمن كان الظلام ستاراً للخير، لا حاجزاً له؛ أذكر أجدادي وهم يجهزون ما تيسّر من الطعام: تمر، طحين، قديد، وقليل من البقوليات؛ ثم يخرج أحدهم في صمت كأنه يحمل أمانة لا يريد أن يراه أحد وهو يؤديها؛ فلم تكن تلك الأفعال صدقات تُعلن، بل عبادة تُمارس بخشوع. أتذكر جدتي – رحمها الله – تمسك بحبل الباب الذي كنا نسميه “السير”، تضع الطعام خلفه ثم تعود بخطوات خفيفة، وكأنها تخشى أن يسمعها الليل؛ كان الطعام يصل إلى بيوت لا تعرف من طرق بابها، ولا من حمل إليها رزقها، يصل الخير وتبقى الأسماء غائبة، وتبقى الكرامة محفوظة.
كبرت… وكبرت الأسئلة معي؛ ومع الزمن فهمت أن أجدادي لم يكونوا يخفون أسماءهم فقط، بل كانوا يحمون قلوب المحتاجين من ثقل الامتنان؛ كانوا يؤمنون أن الصدقة إذا اختفت، عظمت، وإذا ظهرت ربما فقدت شيئاً من نورها، واليوم، في زمن الضوء الساطع والمنصات المفتوحة، تغيّر المشهد؛ صار البعض يوثّق كل مساعدة، وكل يد تُمدّ، حتى أصبح السؤال مشروعاً: هل نساعد لأن هناك محتاجاً… أم لأن هناك كاميرا؟
لا أحد يُلام على العطاء، فلكل زمن أدواته، ولكل إنسان نيته؛ لكن ما نفتقده هو ذلك الشعور القديم: أن يكون الخير فعلاً صامتاً، يمشي على أطراف الليل، لا يريد أن يُرى، بل أن يُثمر.
ومع اقتراب شهر الرحمة، لعلنا نعيد إحياء ذلك الدرس الذي تعلمناه على ضوء السراج: أن أجمل الصدقات ما كان بين العبد وربه، وأن أعظم المعروف ما حفظ كرامة الإنسان.
ذلك هو الدرس الذي أدركته متأخراً… أن الخير حين يُخفى، يضيء أكثر.
المقالات > حين كان الليل يستر الخير .. حكاية من زمن السراج, مبارك بن عوض الدوسري > حين كان الليل يستر الخير .. حكاية من زمن السراج
بقلم / مبارك بن عوض الدوسري

حين كان الليل يستر الخير .. حكاية من زمن السراج
15/02/2026 4:16 م
بقلم / مبارك بن عوض الدوسري
وصلة دائمة لهذا المحتوى : https://www.mnbr.news/articles/457901.html


