ليس الطريق إلى النجاح حديقةً مفروشةً بالورود كما يتخيّل البعض بل هو دربٌ طويل تتناثر فيه البدايات الصغيرة كحبّات المطر لا يُلتفت إليها في أول الأمر لكنها مع الزمن تُحيي أرضًا كاملة..
كثيرون ينتظرون تلك اللحظة الاستثنائية التي تغيّر كل شيء دفعةً واحدة غير مدركين أن التحوّلات العظيمة لا تأتي صاخبة بل تبدأ خافتة .. كخطوةٍ أولى قد لا تُرى لكنها تصنع الفرق ، فالأحلام العظيمة لا تُولد مكتملة بل تنمو كما تنمو البذرة تبدأ صغيرة و شيئًا فشيئًا تغدو شجرةً ذات ثمار يانعة .. فالنجاح يبدأ بخطوة صغيرة تعقبها أخرى ، و المهم أن تعمل و ألا تتوقف ..
{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ} الأية..
فلم نُؤمر بالقفز إلى النتائج بل بالعمل ذاته .. بالبدء، بالمحاولة، بالفعل الذي قد يبدو بسيطًا في أعين الناس لكنه عند الله عظيم بنيّته و استمراره .
إن الخطوات الصغيرة ليست مجرد أفعال عابرة بل هي فلسفة حياة و سُنّة من سنن الله في هذا الكون حيث التدرّج طريق التكوين ، و الثبات سرّ البقاء ، و لعل أعظم ما يُثقل كاهل الإنسان - أيها القارئ الكريم - ليس صعوبة الطريق بل وهم المسافة حين ينظر إلى القمة يرتبك و يتراجع و ربما لا يبدأ أصلًا ..
و من يتهيب صعود الجبالِ
يعش أبد الدهر بين الحفر
لكنه لو بدأ رحلته بخطوات كل خطوةٍ فيها جهدٌ يسير لأدرك أن المستحيل ليس إلا طريقًا لم يُقسّم بعد يحتاج إلى إرادةٍ و عزم ..
على قدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ
و تأتي على قدرِ الكرامِ المكارمُ
فالعزم يظهر في تلك التفاصيل الصغيرة التي يداوم عليها ؛ في أن ينهض كل يوم رغم التعب ، أن يُكمل رغم الفتور ، و أن يُعيد المحاولة بعد كل تعثّر .. فصعود الجبال لا يكون بقفزة واحدة بل بخطوات ثابتة متأنية قد تكون بطيئة لكنها لا تتوقف ، و كل خطوة مهما صغرت هي انتصار خفي على الكسل و الخوف ، و على التردد الذي هو مقبرة الفرص .
إن في الخطوات الصغيرة بركةً لا يدركها المستعجلون فهي تُربي في النفس الصبر ، و تُهذّب الإرادة ، و تُعلّم الإنسان كيف يُحسن البناء دون استعجال ..
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾
و”الإحسان” هنا ليس في عِظم العمل بل في إتقانه و استمراره إنك حين تُداوم على القليل تُصبح قادرًا على الكثير ، و حين تستهين بالخطوة الصغيرة تُفوّت على نفسك طريقًا كاملًا نحو النجاح ، فالعبرة ليست في البداية بل في الاستمرار ، و ليست في السرعة بل في الثبات ، فمن داوم على القليل بلغ الكثير ، و من صدق في سعيه أدرك غايته و لو بعد حين .



