’’ لا تغضب ’’ وصية نبوية على صاحبها أفضل سلام و أزكى تسليم .. حين تُختصر الحكمة في كلمتين، فنحن أمام دستور أخلاقي يُرمّم ما يفسده الانفعال، ويضبط بوصلة السلوك الإنساني في لحظات العصف النفسي.
بين الغضب والحلم، لا تقف المسافة عند حدود المشاعر، بل هي المسافة بين الاندفاع والتروي، وبين الخسارة والحكمة.
الغضب في جوهره ليس مجرد انفعال طارئ، بل هو "جمرة" تحرق العقل قبل أن تؤذي الآخرين. عندما يغضب الإنسان، يتنازل طواعية عن أسمى ما يملك قدرته على التفكير..في تلك اللحظة يغيب المنطق، ويصبح اللسان أداة للهدم، واليد وسيلة للندم.
إن الوصية النبوية «لا تغضب» لم تأتِ لتلغي شعوراً فطرياً، بل جاءت لتهذيب الاستجابة له؛ فالحكيم ليس من لا يشعر، بل من لا ينساق .
يُخاطِبُني السَفيهُ بِكُلِّ قُبْحٍ ... فَأَكرَهُ أَن أَكونَ لَهُ مُجيبا
يَزيدُ سَفاهَةً فَأَزيدُ حِلماً ... كَعودٍ زادهُ الإِحراقُ طيبا ..الشافعي
على الضفة المقابلة، يبرز الحلم كأرقى تجليات القوة النفسية.
الحلم ليس ضعفاً أو عجزاً عن الرد، بل هو "سلطان الروح على الجسد".. هو تلك اللحظة الفاصلة التي يختار فيها الإنسان أن يمتص الصدمة، ويُحيل ضجيج الغضب إلى سكون الحكمة.
الحليم يرى ما وراء الحدث، ويدرك أن الكلمة التي لا تُقال في وقت الغضب هي أعظم انتصار يحققه المرء على نفسه.
وَمَنْ لا يُصانِعْ في أُمُورٍ كَثِيرَةٍ .. يُضَرَّسْ بِأَنْيَابٍ وَيُوطَأْ بِمَنْسِمِ
وَمَنْ يَجْعَلِ المَعْرُوفَ مِنْ دُونِ عِرْضِهِ .. يَفِرْهُ وَمَنْ لا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ..زهير بن أبي سلمى
هنا تولد الحكمة؛ فهي المولود الشرعي لزواج الحلم بالعقل.
الحكمة هي أن تضع الأمور في نصابها، وهذا لا يستقيم أبداً مع غليان الصدور. الغضب يُغلق النوافذ، بينما الحلم يشرعها، ومن خلال تلك النوافذ المفتوحة يطل نور الحكمة ليرشد الإنسان إلى القرار الصائب والكلمة الطيبة.
إن الذي يملك نفسه عند الغضب، لا يحمي علاقاته مع الناس فحسب، بل يحمي كيانه الداخلي من التآكل.
قال الأحنف بن قيس سيد الحلم في العرب : وجدنا الحلم أنصر لنا من الرجال.
فكن حليماً لترى الحقيقة، وكن حكيماً لتصنع الأثر، وتذكر دائماً أن "القوة" ليست في صرخة غاضبة، بل في صمتٍ يحمل في طياته هيبة الحكمة.



