يوم التأسيس ليس ذكرى تُستعاد ولا مناسبة عابرة، بل هو فكرة حيّة تُمارس ووعي متجدّد يتجذّر في مسيرة الوطن. فمنذ أن أرسى الإمام محمد بن سعود دعائم الدولة السعودية الأولى في الدرعية عام (1727/1149)، لم يكن يؤسس كيانًا سياسيًا فحسب، بل كان يطلق مشروعًا يعيد تشكيل الجزيرة من الفوضى إلى الدولة، ومن التنازع إلى النظام، ومن التشتّت إلى وطن جامع.
ذلك التأسيس أوسع من حدود الجغرافيا وأعمق من المشهد الطبيعي، فهو مسارًا ممتدًا عبر ثلاثة قرون تعاقبت فيه المراحل حتى تُوِّج بتوحيد البلاد على يد الملك عبدالعزيز آل سعود -رحمه الله- وإعلان المملكة العربية السعودية دولة راسخة الجذور واضحة الهوية. ومنذ ذلك الحين لم تكن الدولة قفزة مفاجئة، بل مسيرة ممتدة، كل مرحلة فيها تبني على ما قبلها، وكل جيل يضيف لبنة في صرح الدولة.
غير أن جوهر يوم التأسيس أعمق من سرد الوقائع؛ إنه تأسيس للمعنى قبل المكان، وللإنسان قبل البنيان. ومن هذا المعنى تولّد مفهوم الولاء بوصفه عقدًا معنويًا لا شعارًا عابرًا. فالولاء في التجربة السعودية وعي ثابت متجدّد امتدادًا لذلك النفس التأسيسي الطويل؛ نصل مَن تصل قيادتنا، ونقطع مَن تقاطع، ونحب مَن تحب، ونعادي مَن تعادي، انطلاقًا من انتمائنا لفكرة الدولة التي تعلمنا منها أن المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار. فالولاء هنا ليس مجرد تأييد، بل مشاركة في حمل المسؤولية، وإيمان بأن وحدة الصف هي الدرع الأول في زمن التحولات.
وحين ننظر إلى ما تعيشه المملكة اليوم من تحولات كبرى في الاقتصاد والمجتمع والثقافة، فإننا لا نرى قطيعة مع الماضي، بل نرى روح التأسيس ذاتها تُعاد صياغتها بأدوات العصر. إن مشاريع المستقبل وخطط التنمية وإعادة تشكيل موقع المملكة في العالم ليست إلا فصلًا جديدًا من قصة بدأت في الدرعية، وما زالت تُكتب حتى اليوم في هذا العهد الزاهر بحكمة وتوجيه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وولي عهده سمو الأمير محمد بن سلمان، الذي يقود الرؤية الطموحة، حيث يتحول الطموح الوطني إلى برنامج عمل والحلم الجماعي إلى واقع ملموس.
وهكذا يبقى يوم التأسيس رمزًا للفخر والاعتزاز، لا لأنه يروي قصة بداية فحسب، بل لأنه يؤكد أن هذه البداية ما زالت حيّة فينا، تتجدّد مع كل جيل وتكبر مع كل إنجاز. إنها قصة وطن بدأ فكرة فصار دولة، وتحول من حلم يسكن القلوب إلى حقيقة راسخة في وجدان أبنائه؛ وطن يعرف أين يقف ومع من يقف ولماذا يقف، ويصنع قراره بثقة من يعرف جذوره ويخطو نحو المستقبل بعزم من يعرف وجهته.



