أعاد مشروع الأمير محمد بن سلمان لتطوير المساجد التاريخية تأهيل مسجد المسقي في أبها بمنطقة عسير، محافظًا على إرث معماري وديني يعود لأكثر من 13 قرنًا، ضمن المرحلة الثانية من المشروع الهادف لصون الجوامع التاريخية بمختلف مناطق المملكة، وتعزيز حضورها في ضوء مستهدفات رؤية المملكة 2030.
ويقع مسجد المسقي شرق قرية المسقي التابعة لمدينة أبها في منطقة عسير، على بُعد نحو 32 كيلومترًا جنوب شرق المدينة، وسط محيط عمراني تقليدي يعكس هوية المنطقة المعمارية، ما أكسبه مكانة دينية واجتماعية بارزة لدى أهالي القرى المجاورة.
ويُعد المسجد من أقدم المساجد التاريخية في المنطقة؛ إذ تشير المصادر إلى أن بناؤه يعود إلى الفترة ما بين عامي 73هـ و75هـ (692م – 694م)، أي قبل أكثر من ثلاثة عشر قرنًا. وكان لوح تعريفي مثبت في المسجد يؤكد هذه الحقبة التاريخية، إلا أنه فُقد عام 1395هـ (1975م) خلال أعمال الهدم وإعادة البناء.
وقد أورد الرحالة والمؤرخ الهمداني ذكر المسجد في كتابه “صفة جزيرة العرب” بقوله: “والقرعا لشيبة من عنز، ولهم قرية كبيرة ذات مسجد جامع، يقال لها المسقي”، في دلالة على قِدم المسجد ومكانته في النسيج العمراني والاجتماعي للمنطقة منذ قرون مبكرة.
وشهد المسجد إعادة بناء عام 1397هـ (1977م)، وهو البناء القائم حاليًّا، حيث كانت تُقام فيه صلاة الجماعة وصلاة الجمعة، ويقصده المصلون من القرى المجاورة، قبل أن تتعطل الصلاة فيه لسنوات، إلى أن أُدرج ضمن مشروع التطوير ليُعاد تأهيله وفق أسس تراعي أصالته التاريخية.
وشُيّد المسجد على طراز السراة المعماري، الذي يتميز بتماسك النسيج العمراني وتضامن مبانيه وممراته، مع الاعتماد على الحجر الطبيعي في البناء، والحوائط السميكة الحاملة، واستخدام خشب العرعر المعروف بمتانته وصلابته. ويعكس هذا الطراز تأثر العمارة المحلية بالظروف المناخية وطبيعة التضاريس والعوامل الاجتماعية، بما يحقق التوازن بين الوظيفة والجمال.
وتبلغ مساحة المسجد بعد التطوير 409.25 أمتار مربعة، بطاقة استيعابية تصل إلى 156 مصلّيًا، ليعود مهيأً لأداء الصلاة واستقبال المصلين في بيئة تجمع بين عبق التاريخ ومتطلبات الحاضر.
ويُمثل تطوير مسجد المسقي في منطقة عسير خطوةً ضمن الجهود الوطنية للحفاظ على المساجد التاريخية، بما يعزز حضورها الديني والاجتماعي، ويرسّخ قيمتها بوصفها شواهد حية على العمق التاريخي للمملكة.
ويعمل مشروع الأمير محمد بن سلمان لتطوير المساجد التاريخية على تحقيق التكامل بين معايير البناء التراثية والأساليب الحديثة، بما يضمن استدامة عناصر المساجد المعمارية، مع تنفيذ أعمال التطوير عبر شركات سعودية متخصصة في المباني التراثية وبمشاركة مهندسين وطنيين، حفاظًا على الهوية العمرانية الأصيلة لكل مسجد منذ تأسيسه.
وينطلق المشروع من أربعة أهداف إستراتيجية تتمثل في: تأهيل المساجد التاريخية للعبادة، واستعادة خصائصها العمرانية الأصيلة، وإبراز البعد الحضاري للمملكة، وتعزيز مكانتها الدينية والثقافية، بما يعكس ما توليه رؤية المملكة 2030 من اهتمام بالموروث الثقافي وترسيخ قيمه في الحاضر والمستقبل.


