شتاءُ تهامة في محافظة العرضيات ليس مجرد فصلٍ مناخي، بل حالةٌ سياحيةٌ متكاملة تتجلّى فيها معاني الدفء، والخُضرة، وجريان الأودية، واعتدال الطقس، في وقتٍ يشتد فيه البرد على مرتفعات السراة. فتغدو العرضيات ملاذاً طبيعياً لأبناء السراة وزوّار المنطقة، ووجهةً مثالية لعُطل نهاية الأسبوع والإجازات القصيرة.
وتتميّز العرضيات ببيئتها الزراعية الخصبة، ومزارعها الممتدة، وأوديتها التي تجري فيها المياه على مدار العام، مما يمنحها ميزةً تنافسيةً طبيعية في فصل الشتاء. وهذه المقومات تؤهّلها لأن تكون رافداً سياحياً مهماً، خاصة في مجال السياحة الزراعية والبيئية، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في تنويع مصادر الدخل وصناعة السياحة المستدامة.

ومع ما نلمسه في السراة خلال فصل الصيف من جمالياتٍ سياحيةٍ متنامية، تتنوّع بين تطوير مزارع العنب، والاهتمام بالآثار والمتاحف، وانتشار المقاهي، وازدهار الأسواق، تتجلّى في تهامة خلال فصل الشتاء صورةٌ أخرى لا تقل ثراءً وخصوصية. فلكل موسمٍ سحره، ولكل أرضٍ عطاؤها. وفي هذا التناغم الموسمي تتكامل المقومات السياحية داخل محافظةٍ واحدة، حباها الله تنوّعاً جغرافياً فريداً يجعلها وجهةً قابلةً للحياة السياحية على مدار العام، حيث يكون الاختلاف مصدرَ إثراء، والتكامل رافدَ تطوير، دون مجالٍ للمقارنة.
ومن هنا تبرز الحاجة الماسّة إلى إنشاء نُزلٍ زراعية داخل المزارع، ومرافق سياحية ريفية مريحة وجاذبة، تتيح للزائر تجربةً أصيلة، وتُطيل مدة الإقامة، وتُسهم في تحريك الاقتصاد المحلي. كما تمثّل هذه المشاريع فرصةً واعدةً للمستثمرين، في بيئةٍ لا تزال بكراً وغنيةً بالفرص.

ولا تكتمل السياحة دون الاهتمام بعوامل السلامة؛ فمع جمال الأودية وجريان المياه وقيام السدود، يبقى الوعي بمخاطر السيول والأمطار ضرورةً قصوى، إلى جانب توفير لوحات إرشادية، ومواقع تنزّه آمنة، وتنظيم الأنشطة بما يضمن سلامة الزوّار.
كما أن من أبرز التحديات التي تواجه تهامة تعدّد الجهات الإدارية التابعة لها، الأمر الذي يتطلّب مزيداً من التنسيق، وتكامل الأدوار، وتسريع الإجراءات، لتتحوّل الجهود المتفرّقة إلى مشروعٍ سياحيٍ واضح المعالم.

ويُعدّ الاهتمام بالبيئة ركيزةً أساسيةً لأي تنميةٍ سياحيةٍ ناجحة، من خلال تنظيف الأودية، وإزالة الأشجار الدخيلة، ومكافحة تكاثر الحشرات الناقلة للأمراض مثل حُمّى الضنك، وتحسين المشهد العام، وهي مجالات تجمع بين الخدمة العامة والفرص الاستثمارية.

ولا يمكن إغفال الدور الكبير لأهالي تهامة، بما عُرفوا به من طيبٍ وكرم، وسعة صدر، وحُسن استقبالٍ للزوّار، وهي قيمةٌ سياحيةٌ إنسانية تعزّز تجربة السائح، وتترك أثراً لا يُنسى.
كما يُعوَّل كثيراً على شباب المنطقة في قيادة هذا التحوّل السياحي، عبر إنشاء مكاتب سياحية، وإعداد برامج موسمية وعلى مدار العام، وإصدار خرائط ومنشورات تعريفية، واستثمار وسائل التواصل الاجتماعي في الترويج، لتكون السياحة مصدراً لدخلٍ كريم وفرصةَ معيشةٍ لأبناء المنطقة.

وأستطيع أن أختم القول: إن محافظة العرضيات، بما حباها الله من جمالٍ طبيعي، ودفءٍ شتوي، وبيئةٍ زراعية، وكرمٍ إنساني، قادرةٌ على أن تكون وجهةً سياحيةً رائدة، متى ما تضافرت الجهود، وحَسُن التخطيط، وآمن المستثمرون وأبناء المنطقة بأن المستقبل يبدأ من هنا.



