المتأمل في مسيرة التأريخ يدرك بعمق معجزة الصحراء التي تحققت على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود طيب الله ثراه ، فقد حولت مسيرة توحيد هذه البلاد المترامية الأطراف بتضاريسها المتنوعة وطبيعتها القبلية ومجتمعاتها المتفرقة إلى دولة موحدة انصهرت داخلها الحدود والثقافات ، واتحدت القلوب تحت راية واحدة لدولة قامت على الشريعة والمبادئ العظيمة ، وأخذت تسابق الزمن لتحقيق المكتسبات الحضارية والرفاهية للشعب .
لقد تجلّت عبقرية الملك عبدالعزيز في أنه تميز إلى جانب قيادته العسكرية وحنكته بذكاء سياسي مكّنه من استيعاب روح عصره وقراءة المستقبل ، فأقام دولته على شريعة الإسلام الموحِّدة للقلوب ، وانطلق في تثبيت أسس الدولة وتنظيمها والأخذ بأسباب التطور والتنمية ، فأنشأ أول مجلس للشورى ( المجلس الأهلي الشوري ، وعدل النظام والتسمية إلى مجلس الشورى ،ثم أنشئ مجلس الوزراء ، كما توالى استحداث الوزارت الأساسية ، ونظام إمارات أو مقاطعات إدارية (عُرف في تلك الفترة بنظام الأمراء والمجالس الإدارية ) ، ولما تميز به رحمه الله من رؤية استشرافية وقَّع المعاهدات الدولية والإقليمية ، وعقود التنقيب عن النفط ، كما أمر بإنشاء مشاريع داعمة للتمدن والاستقرار ؛ لينقل مجتمعًا بأكمله إلى قلب التاريخ.
ولاشك أن تلك القرارات الجوهرية التي اتخذها الملك عبدالعزيز أسهمت في تكوين بيئة مؤسسية لاستدامة خدمات الدولة وتطويرها في عهود متعاقبة قادها أبناؤه الملوك مستثمرين كل الموارد والقدرات إلى تنمية ونهضة سعودية نادرة في التأريخ الحديث للشرق الأوسط ، وفي طريقها لتكون نموذجا عالميا فريدا في رؤيتها الحديثة في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان حفظهما الله.
إننا ونحن نعيش ذكرى توحيد بلادنا في يومنا الوطني السادس والتسعين الموافق 23 سبتمبر (2026/1448) نستشعر موقع بلادنا بوصفها مهبط الوحي ومهوى أفئدة المسلمين وقوةً اقتصادية عالمية (G20) ورائدةً للأمن والسلام ، كما نَعِي المحاولات الخبيثة التي تستهدف البُنى التحتية في بلادنا لإعاقتها عن مواصلة مشروعها الحضاري والتنموي الملهم للعالم ، ولكن شَتّانَ بين مليشيات يحركها الفوضى والجهل و(الأيدولوجيا) الهدامة وبين دولة تعتمد العلم والقانون والتنمية ، وتثبت للعالم يومًا بعد يوم أن السياسة الهادئة الواثقة هي التي تكسب في النهاية ، فتلك المحاولات البائسة التي يقوم بها أعداء الوطن لم تحقق أهدافها ، ولم تزد أبناء وطننا سوى مزيد من الانتماء والتلاحم والثقة بحكمة قيادتنا في إدارة الصراعات السياسية بما يحقق المكاسب في نهاية المطاف.
إن هذه المناسبة التأريخية العظيمة تشحذ طاقتنا المعنوية ؛ لكي لا نتوقف عند الفخر العاطفي فحسب ،بل تدفعنا لمزيد من الاعتزاز بثقافتنا وتاريخنا ، والانفتاح الذكي على العالم ، والثقة والعطاء والإخلاص والإنتاجية العالية ؛ للإسهام بجهد وافر ومتميز في مسيرة تنمية بلادنا ، وتحقيق رؤية قيادتنا بأن تكون السعودية في طليعة دول العالم ، و الوِجهة الأولى عالميًّا.
دامت السعودية عزيزةً ، وحفظ الله قيادتها وشعبها ، وأمد ّ الله جنودها بالنصر والتمكين .



