ثمة أشخاص يمرّون في حياتنا كأسماءٍ في سجل .. وثمة آخرون يتحولون إلى علاماتٍ فارقة في الذاكرة .. ومن هذه الفئة الأخيرة يبرز اسم ( ناصر العمري ).. الرجل الذي لم يكن جزءاً من المشهد فحسب .. بل كان ( سينوغرافيا ) المسرح بأكمله .. فإذا حضر اكتمل التكوين .. وإذا تحدّث استقامت الحبكة .. وإذا غاب بقي أثره شاهداً على عبقرية الدور ..
.. فقد تجاوز ( ناصر العمري ) حدود السطر في كتاب العمل الوظيفي .. والصفحة في ميادين التعليم .. ليصبح مقرراً كاملاً في الإنجاز .. ومنهجاً راسخاً في المهنية .. وربما يُطوى اليوم سجلّ الدوام .. لكن الأثر الذي صنعه في النفوس والعقول أبقى من أن تطويه الأيام أو تحجبه السنوات ..
.. وفي الجانب الثقافي .. لم يكن قارئاً للثقافة فحسب .. بل أحد بنّائي الوعي الجمعي .. وحراس الهوية .. ترك بصمته كما تترك الأشجار العتيقة ظلها الوارف على الأرض .. حضوراً ممتداً .. وأثراً متجدداً .. حتى غدا هو نفسه قيمةً معرفية تُقرأ .. وتجربةً إنسانية تستحق التأمل ..
.. أما على المنصة .. فقد كان للكلمة معه شأنٌ آخر .. فإذا اعتلاها استقامت العبارة .. وانتظم المعنى .. وأدرك الحضور هيبة المفردة .. صاغ من صوته جسراً بين الكلمة ومستمعيها .. فكان للمعاني على يديه وصولٌ أجمل وأبقى .. حتى تحوّل حضوره إلى علامة .. وصوته إلى ذاكرة .. ومنصته إلى درسٍ في فن الإلقاء والتأثير ..
.. ولعل ما ميّز ( ناصر العمري ) أكثر من كل ذلك .. تلك الكاريزما الهادئة التي لا تُصطنع .. وذلك الحضور الأنيق الذي لا تصنعه المناصب ولا الألقاب .. فقد جمع بين رصانة المثقف .. ودفء الإنسان .. وهدوء القائد .. وأناقة الحضور .. فإذا تكلّم أصغت له المجالس .. وإذا حضر ترك أثراً يسبق حديثه ويتجاوز مكانه ..
.. فمن السهولة أن يكون أحدنا موظفاً أو مثقفاً أو متحدثاً بارعاً .. ولكن من النادر أن تجتمع هذه الخصال كلها في إنسان واحد حتى يصبح مدرسةً في الأخلاق .. ومنهجاً في العطاء .. وذاكرةً جميلة في وجدان من عرفوه .. ذلك هو ( ناصر العمري )..


