في زمنٍ تتسارع فيه المتغيرات، وتتزاحم فيه التحديات، يبرز القائد لا بوصفه مديرًا للمهام فحسب، بل صانعًا للمعاني، وبانيًا للكيانات، وحارسًا للمنظومة من التشتت والاضطراب. فالقائد الحقّ هو من يجمع بين صرامة النظام ورحابة الروح، وبين قوة القرار ولين المشورة، يسير بالمؤسسة في ظل اللوائح والأدلة المنظمة، دون أن يُطفئ وهج المبادرة أو يخمد جذوة الإبداع.
إن القيادة ليست منصبًا يُشغَل، بل مسؤولية تُحمَل؛ وليست سلطة تُمارَس، بل رسالة تُؤدّى. فالقائد الناجح يعي أن بلوغ الأهداف لا يتحقق بالعشوائية، بل بالانضباط؛ ولا يُدرك بالاندفاع، بل بالتخطيط؛ ولا يستدام بالاجتهاد الفردي، بل بروح الفريق الواحد. هنا تتجلى المعادلة المتوازنة: نظامٌ بلا جمود، وتعاونٌ بلا فوضى، وأداءٌ بلا إخلال.
ومن أبرز مهارات القائد التمكن من فن الإقناع، أو ما يسميه العلماء بالاتصال الشخصي؛ إذ بالكلمة الهادفة تُبنى الجسور، وبالحوار الراقي تُزال الحواجز، وبالطرح المقنع تُستنهض الهمم. فليس الإقناع فرضًا للرأي، بل إضاءةٌ للطريق، وليس استعراضًا للبلاغة، بل استثمارًا للثقة.
كما أن توظيف الكوادر البشرية في مواقعها المناسبة هو سرّ التفوق وعنوان النجاح؛ فـ"إعطاء القوس باريها" ليس مثلًا يُقال، بل منهج يُتّبع. حين يعمل كل فرد في موضعه الذي يُحسن فيه ويُبدع، تتحول المؤسسة إلى منظومة أدمغة متعاونة، تنتج بأعلى درجات الكفاءة، وتحقق أسمى معايير الإنتاجية. فالمؤسسات لا تقوم على الجدران، بل على الإنسان؛ ولا تزدهر بالأدوات، بل بالعقول.
ويظل الإنصات الجيد تاج المهارات القيادية؛ فالاستماع الواعي يُنمّي الفهم، والفهم الصحيح يُثمر القرار الرشيد. والقائد الذي يُحسن الإصغاء، يُحسن التوجيه؛ والذي يملك شجاعة قول "لا" حين تستدعيها المصلحة، يملك في الوقت ذاته حكمة قول "نعم" حين يقتضيها الحق. في حوارٍ يؤمن بأن اختلاف وجهات النظر لا يفسد للود قضية، بل يثري التجربة ويعمّق الرؤية.
ومن رحم هذا الحوار تُصاغ القرارات في "مطبخ الفريق"، حيث تتلاقى الآراء وتتقاطع الأفكار، ليخرج القرار ناضجًا متزنًا، لا وليد انفعال، ولا رهين ارتجال. فالشورى منهج رباني، ودرس نبوي تطبيقي، أنار مسار الحياة القيادية، ورسّخ مبدأ المشاركة، وأكد أن الرأي الجماعي أعمق أثرًا وأبعد نظرًا.
وفي بيئةٍ آمنةٍ جاذبة، تُنبذ الخصومات وتُحتضن الطاقات، يقدّم الفرد أقصى ما لديه، مدفوعًا بالتوكل الصادق، ومؤطرًا بأسس علمية راسخة، منطلقها التخطيط السليم، وعمادها التنفيذ المتقن، وغايتها نتائج باهرة. انطلقت من وضوح الهدف، وارتشفت من معين التنافس الشريف، وسارت على مدرج رؤية واضحة، مستندة إلى خبرات وتجارب متميزة.
هناك، يعيش الجميع روح المنظومة الواحدة؛ فيتسابقون إلى التطوع الاحترافي وقتًا وجهدًا، لا تكليفًا بل تشريفًا، ولا إلزامًا بل التزامًا. فتظلّلهم سحائب التحفيز، وترفرف فوقهم رايات الثقة، فتزداد النجاحات تألقًا، وترتفع أسهم الإنتاج جودةً وإنتاجًا، ويستقطب العمل رضا المستفيد وثقته.
حينذاك، نستطيع أن نقول بثقة واعتزاز: هنا قائد ملأ مكانه، وأدّى أمانته، وجمع بين الرؤية والبصيرة، وبين الحزم والرحمة، وبين التخطيط والإبداع. قائدٌ إذا حضر حضر النظام، وإذا تكلم تكلم الاتزان، وإذا قاد قاد إلى قمم الإنجاز.
المقالات > القائد بين حكمة الرؤية وقوة الأداء, د. يحيى بن حسين السيد > القائد بين حكمة الرؤية وقوة الأداء
بقلم / د. يحيى بن حسين السيد

القائد بين حكمة الرؤية وقوة الأداء
14/02/2026 12:33 م
بقلم / د. يحيى بن حسين السيد
وصلة دائمة لهذا المحتوى : https://www.mnbr.news/articles/457829.html


