تستحضر الذاكرة الوطنية المثل النجدي العريق «ما صديقنا إلا إنا» بوصفه تعبيرًا راسخًا عن حكمة متوارثة ووعيٍ عميق بطبيعة العلاقات بين الدول. فهذا المثل لا يقوم على الانغلاق، بل على إدراك أن المواقف تُقاس بثباتها لا بتقلبها، وأن الدول الكبيرة تُعرّف نفسها بأفعالها لا بأقوال الآخرين عنها. وفي عالمٍ تتسارع فيه التحولات وتتقاطع المصالح، يظل هذا المثل شاهدًا على نهج المملكة العربية السعودية في إدارة علاقاتها الإقليمية والدولية بوصفها دولة ذات ثقل سياسي اقتصادي عسكري مع ما يميزها في التاريخ والجغرافيا.
وعلى امتداد تاريخها منذ توحيدها عام 1932، رسّخت المملكة موقعها بوصفها دولة مركزية في محيطها العربي والإسلامي، تتحمل مسؤولياتها بثبات واتزان، وتقدّم دعمها السياسي والاقتصادي والإنساني دون تردد. وتشير تقارير دولية موثوقة إلى أن المملكة قدّمت بين عامي 1973 و2023 مساعدات تنموية وإنسانية تتجاوز 95 مليار دولار، شملت دولًا عديدة في المنطقة وخارجها، في تأكيد مستمر لدورها في تعزيز الاستقرار والتنمية.
وخلال العقود الثلاثة الماضية، برز الدور السعودي في محطات مفصلية أسهمت في تشكيل مسار المنطقة:
* 1990:المشاركة في تحرير الكويت، وترسيخ مفهوم الأمن الخليجي المشترك.
* 1992: دعم البوسنة والهرسك خلال أزمتها الإنسانية الكبرى.
* 2003: رفض الحرب على العراق، إدراكًا لخطورة تفكيك الدولة العراقية وتداعيات ذلك على الإقليم.
* 2011: دعم البحرين ضمن منظومة الدفاع المشترك.
* 2012: رفض التدخلات الخارجية في مصر، وتأكيد أهمية استقرار الدولة ومؤسساتها.
* 2014: قيادة التحالف لدعم الشرعية في اليمن ومنع انهيار الدولة.
* 2015: تشكيل تحالف عربي واسع لحماية الشرعية في اليمن، في خطوة عكست ثقل الرياض السياسي والعسكري.
* 2024: تأكيد رفض المشاركة في أي عمليات عسكرية جديدة في اليمن، انسجامًا مع نهج المملكة في تغليب الحلول السياسية.
وفي السياق ذاته، لعبت المملكة دورًا محوريًا في استقرار أسواق الطاقة العالمية، ولا سيما خلال الفترة 2021–2023 عبر اتفاقيات «أوبك بلس»، وأسهمت في حماية الاقتصاد العالمي من تقلبات حادة. كما رعت في 2023 اتفاقًا مهمًا لاستئناف العلاقات بين دولتين إقليميتين كبيرتين، في خطوة وصفتها الصحافة الدولية بأنها «تحول استراتيجي» في الشرق الأوسط.
واتخذت المملكة مواقف حازمة تجاه التدخلات في الشؤون العربية، فبادرت إلى قطع العلاقات أو استدعاء السفراء مع دول كبرى حين تجاوزت حدودها. وكانت من أوائل الدول التي صنّفت الميليشيات الإرهابية المدعومة من إيران، قبل أن تعتمدها منظمات دولية لاحقًا.
وبقيت القضية الفلسطينية محورًا ثابتًا في السياسة السعودية، دعمًا لحقوق الشعب الفلسطيني ورفضًا لأي مشاريع تستهدف تصفية قضيته.
ومع إطلاق رؤية 2030 عام 2016م، دخلت المملكة مرحلة جديدة من التحول الاقتصادي والسياسي، قائمة على الواقعية والإنجاز، ما جعلها اليوم قوة مؤثرة في ملفات الطاقة والاقتصاد والوساطة الإقليمية.
ورغم هذا التاريخ الممتد، يبرز في بعض المحطات قدرٌ من عدم الإنصاف في مواقف بعض الدول القريبة من المملكة، دولٍ لطالما كانت الرياض لها سندًا سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا. ورغم أن الخلافات السياسية بين الدول أمر طبيعي، فإن التعامل الانتقائي لبعض الأطراف مع التطورات الإقليمية الأخيرة يثير التساؤل، خصوصًا حين يتجاهل تاريخًا طويلًا من الدعم السعودي الذي لم ينقطع.
لقد تعاملت المملكة مع هذه الخلافات بمنطق الدولة الراسخة، وبحكمة تضع استقرار البيت الخليجي فوق أي اعتبار، انطلاقًا من مبدأ واضح:
«نختلف… لكن لا نهدم البيت».
وفي الختام، يبقى المثل النجدي صادقًا في دلالته:
«ما صديقنا إلا إنا»
ليس لأنه دعوة للانعزال، بل لأنه تذكير بأن المملكة كانت — وستظل — ركيزة الاستقرار الأولى في المنطقة، وصاحبة المواقف الثابتة التي لا تتغير بتغير الظروف، ولا تتبدل بتبدل المصالح ويؤكد بأنه لا يشبهنا أحد.



